الخلط المعرفي: هل يكون بوابتك إلى النوم العميق؟
بعد أنّ حلّ الظلام وتركت هاتفك إلى جوارك ووضعت رأسك على وسادتك، منتظرًا أن تنعَم بنومٍ عميق يمتصّ التعب والإرهاق الذي مررت به طوال اليوم؛ إذ بسيلٍ منهمر من الأفكار لا يتوقّف، ويضع حاجزًا هائلًا بينك وبين النوم العميق.
قد تحاوِل إيقاف سيل الأفكار المتدفّق، لكن يمكِن تجربة تقنية الخلط المعرفي، التي تتضمّن التفكير في أمور عشوائية مختلفة، بهدف تشتيت انتباه عقلك عن سيل الأفكار الذي منعك من النوم، وهي تقنية بسيطة ولكن شهدت لها بعض الأبحاث بالفعالية، فكيف تُتقِنها لتستمتع بنومٍ عميق بالليل؟
ما هو الخلط المعرفي؟
قُدِّم الخلط المعرفي (Cognitive shuffling) من قِبل عالِم الإدراك "لوك بودوان" في ورقة بحثية، وهو تقنية مُصمّمة لتسهيل النوم، فهو يتجاوز الطريقة التقليدية المتمثّلة في محاولة إيقاف الأفكار غير المفيدة، وبدلًا من ذلك فإنّه يشجّع على سلسلة من الأفكار العشوائية غير المرتبطة لتعزيز النوم.
تقول "ليا كايلور" اختصاصية علم النفس السريري ومؤلفة كتاب "If Sleep Were a Drug": "إنّ الخلط المعرفي هو تقنية ذهنية مُصمّمة لمساعدتك على النوم من خلال خلط أفكارك بطريقة تشتّت انتباه عقلك عن التوتر والقلق".
تأثير الأفكار المتسارعة على النوم
الأفكار المتسارعة هي التي تأتي فجأة وتملأ عقلك دون أن تتمكّن من السيطرة عليها، مثل:
- قائمة بالأفكار التي تتدفّق في عقلك بشكلٍ متكرر.
- الشعور بأنّك تشاهد أفكارًا ومشاهد مختلفة تتجسّد في ذهنك، كما لو كُنت تشاهد فيلمًا.
- التتابُع السريع للأفكار، كما لو أنّ شخصًا يتحدث بسرعة كبيرة داخل رأسك.
- علامات أخرى للقلق تصاحب الأفكار المتسارعة، مثل تسارع ضربات القلب أو التنفس السريع.
وسواء كانت هذه الأفكار المتسارعة ناجمة عن التوتر أو القلق أو الإفراط في تناول الكافيين، فإنّ السيطرة عليها صعبة أو مستحيلة، ومِنْ ثمّ قد تواجِه صعوبة كبيرة في الدخول في النوم.
هل يساعد الخلط المعرفي على النوم حقًا؟
كانت إحدى دراسات "بودوان" التي راجعها النظراء بشأن الخلط المعرفي، والتي قُدِّمت عام 2016 في اجتماع مشترك للأكاديمية الأمريكية لطب النوم وجمعية أبحاث النوم صغيرة، ولكنها أظهرت بعض التحسينات الواعدة في جودة النوم بين 154 طالبًا جامعيًا مشاركًا (منهم 137 أنثى).
كما أظهرت النتائج أنّ تقنية الخلط المعرفي ساعدت على تحسين النوم طوال الفصل الدراسي، حتى مع تدهور روتين النوم (على الأرجح بسبب الضغوط المدرسية).
ورغم أنّ حجم العيّنة المكونة من 154 طالبًا جامعيًا صغير، فإنّ النتائج تشير إلى أنّ مبادئ الخلط المعرفي فعالة في الحد من اليقظة قبل النوم، كما يقول الدكتور "ريان سلطان"، طبيب نفسي ومدير الأبحاث والطب في "Integrative Psych".
كيف يساعد على النوم؟
لا يزال يرى الخبراء أنّ الخلط المعرفي مجرد نظرية وليس ممارسة مثبتة، ورغم أنّ دراسات "بودوان" كانت مشجعة، فلا تزال هناك حاجة إلى إجراء مزيدٍ من الأبحاث.
ومع ذلك، فقد أظهرت بعض الأبحاث أنّ الممارسات المماثلة للخلط المعرفي مفيدة في تحسين النوم؛ إذ يرى بعض الخبراء أنّ الخلط المعرفي يشبِه مفهوم العلاج السلوكي المعرفي، وهو نوع من العلاج النفسي، يساعد على التغلب على تحدّيات الحياة اليومية من خلال تحديد أفكارك وإدارتها وإعادة تشكيلها.
ويُعدّ العلاج المعرفي السلوكي أيضًا علاجًا فعالًا للأرق، وفقًا لبحثٍ نُشِر عام 2019 في المجلة الأمريكية لطب نمط الحياة.
وربّما تبدو الأشياء العشوائية التي تتوصّل إليها في أثناء الخلط المعرفي سخيفة أو تعسفية أو تؤدي إلى نتائج عكسية، ولكن يقول الخبراء إنّ تركيز انتباهك على أشياء عشوائية يرسِل إشارات إلى دماغك وجسمك بأنّك آمن.
طرق تطبيق الخلط المعرفي قبل النوم
تكمن جاذبية تقنية الخلط المعرفي في سهولة تطبيقها في أي وقت حتى لو لم تكُن في السرير بعد، وفيما يلي بعض النصائح لممارسة الخلط المعرفي بفعالية:
1. جرّب تقنية الحروف
فكّر في حرف مُعيّن، ثُمّ ضع في ذهنك صورة لعناصر عشوائية تبدأ بهذا الحرف، فمثلًا يمكِنك أن تبدأ بحرف "م"، وتولّد كلمات، مثل "موز" أو "ملاهي" أو "ملعب"، وتتخيّل كل منها بوضوح.
2. تقنية الكلمات الجذعية
ابدأ بكلمة جذعية محايدة، مثل "دجاج"، ثُمّ فكّر في كلمات أخرى تبدأ بحرف "د"، مثل "دُب" أو "دُمية"، وتخيّل كل منها، كما يمكِنك الانتقال إلى الحرف الأخير من الكلمة السابقة والعثور على كلمة جديدة تبدأ بهذا الحرف.
فهذه العشوائية تكسر أنماط التفكير المتماسكة وتحوّل التركيز بعيدًا عن الأفكار المتسارعة التي تمنعك من النوم.
3. تقنية مولّد الكلمات العشوائية
أنشأ "بودوان" مؤلِّف الورقة البحثية بشأن الخلط المعرفي تطبيق "mySleepButton"، فإذا كُنت تواجه صعوبة في تخيّل الكلمات بنفسك، فسيساعدك هذا التطبيق على تشغيل كلمة عشوائية تلو الأخرى لمساعدتك على النوم.
4. تخيّل التفاصيل
لا تتخيّل فقط "شاطئًا" أو "شجرة، بل اجعل هناك في خيالك تفاصيل أكثر كي تكون التجربة غامرة بالنسبة لك، ففكِّر مثلًا في شاطئ به صوت الأمواج المتلاطمة والرمال تحت قدمَيك، أو غابة هادئة تفوح منها رائحة الصنوبر، وما إلى ذلك.
5. تقنيات الاسترخاء
يمكِنك التبديل بين التفكير في الكلمات باستمرار خلال الخلط المعرفي، مع تقنيات الاسترخاء الأخرى، مثل التنفّس العميق، والتي تساعد على النوم أيضًا.
هل تقنية الخلط المعرفي آمنة؟
رغم عدم وجود أبحاث كافية لتؤكّد فعالية الخلط المعرفي، فإنّه لا يحمل أي جانب سلبي، بل على العكس يمكِنك تجربته بأمان.
وتقول الدكتورة "فريحة عباسي فينبيرج"، اختصاصية النوم والمتحدثة باسم الأكاديمية الأمريكية لطب النوم: "إنّها طريقة لمحاولة دفعهم إلى التركيز على شيءٍ مختلف قليلًا، ربّما يكسر أنماط تفكيرهم".
نصائح لتحسين جودة النوم
إلى جانب تقنية الخلط المعرفي، قد تساعدك النصائح الآتية على التمتّع بنومٍ عميق خلال الليل:
- تقليل التعرّض للضوء الأزرق خلال الليل من خلال تقليل النظر إلى الشاشات الإلكترونية والتلفاز قبل النوم بساعتين.
- عدم تناول الكافيين في وقت متأخر من الليل، ويُفضّل عدم تناوله قبل 8 ساعات من النوم.
- تقليل فترة القيلولة خلال النهار، لأنّها قد تؤثّر في نومك ليلًا.
- محاولة النوم والاستيقاظ في موعد ثابت كل يوم.
- النوم في غرفة هادئة مظلمة بدرجة حرارة مناسبة.
- تجنّب الأكل قبل النوم.
- تدوين بعض أفكارك ومخاوفك قبل الذهاب إلى السرير، للمساعدة على تقليل التوتر الليلي، وإخراج الأفكار من رأسك.
متى يجب استشارة طبيب النوم؟
أحيانًا لا يكون هناك مفر من استشارة الطبيب للتغلب على الأرق واستعادة النوم الطبيعي، لذا تحدّث إلى طبيبك إذا كانت قلة النوم لديك تعطّل نشاطك خلال النهار، أو إذا كُنت تعاني مشكلات النوم ثلاث مرات على الأقل في الأسبوع لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر.
