العلاج بالفكاهة والاكتئاب.. دراسة حديثة تكشف متى يفيد الضحك ومتى يضر؟
كشفت دراسة بولندية نشرتها مجلة Clinical Psychology Review عام 2026 أن الضحك والفكاهة قادران على تخفيف أعراض الاكتئاب الخفيف والمتوسط، لكنهما قد يفاقمان الحالة في مراحلها الحادة.
ويعاني نحو 332 مليون شخص حول العالم من الاكتئاب وفق منظمة الصحة العالمية، ما يجعل البحث عن علاجات مساندة أمرًا ملحًا.
وتُضاف هذه الدراسة إلى تاريخ طويل يربط الصحة النفسية بالعلاج بالفكاهة، يمتد من القرون الوسطى حتى علم الأعصاب الحديث.
تاريخ نشأة طب العقل والجسد
أرسى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650) في الطب الغربي فكرة الفصل التام بين الجسد والعقل، معتبرًا أن الأمراض جسدية بالكامل، وسيطر هذا التصور على الطب قرابة ثلاثة قرون.
غير أن الطبيب الاسكتلندي ويليام كولن أدخل في أواخر القرن الثامن عشر مصطلح "الدواء الوهمي"، حين لاحظ أن المرضى يستجيبون لأدوية مزيفة كأنها حقيقية ما داموا يؤمنون بفاعليتها، مثبتًا أن المعتقدات النفسية تترك أثرًا ملموسًا في الجسد.
بنى العلماء على هذا الأساس ما بات يُعرف "بطب العقل والجسد"؛ ففي عام 1975، اقترح الطبيب هيربرت بينسون أن جلسات تأمل يومية تتراوح بين 10 و20 دقيقة تُخفض ضغط الدم وتُعالج الأرق والقلق والألم المزمن.
وفي الفترة نفسها، طوّر جون كابات-زين تقنيات تأمل "الحضور الذهني" التي تدمج اليوغا والتأمل لتقليل التوتر والمرض.
استلهم الاهتمامُ بالعلاج بالفكاهة هذه الخلفيةَ العلمية نفسها؛ فقد وثّق المؤرخون أن الجراح هنري دي موندفيل (1260-1320) كان يصف النكات لمرضاه بعد العمليات الجراحية تسريعًا للشفاء.
وفي عام 1972، بدأ الطبيب هانتر آدامز بارتداء أنف المهرج الأحمر في جناح الأطفال بمستشفى أمريكي، مُرسيًا تقليدًا لا يزال حيًا في المستشفيات حتى اليوم.
فوائد العلاج بالفكاهة في مواجهة الاكتئاب
أشارت أنا برانييتسكا من جامعة SWPS البولندية إلى أن الفكاهة تُضعف عوامل تغذية الاكتئاب، في مقدمتها الاجترار الذهني، وهو دوامة الأفكار السلبية المتكررة التي يصعب الفكاك منها.
وتُسهم الفكاهة في تقليص إفراز هرمونات التوتر، ما يمنح المريض مسافة نفسية من مصادر الضغط ويُعيق تغذية الأفكار السلبية لنفسها.
وبخلاف كثير من العلاجات الدوائية، تأتي هذه الفوائد خالية من الآثار الجانبية الموثقة؛ فقد رصد الباحثون أن الضحك يُقلل معدل ضربات القلب ويخفض ضغط الدم ويُقلل من اضطرابات ضرباته.
وقد استرعى هذا الملف الصحي انتباه الباحثين منذ أن نشر روبرت بيرتون عام 1621 كتابه The Anatomy of Melancholy، مقترحًا الفكاهة علاجًا لما كان يعانيه شخصيًا من اكتئاب.
وتُسهم الفكاهة أيضًا في بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز المرونة النفسية، إذ يسجل الأشخاص ذوو حس الفكاهة المرتفع درجات أدنى في مقاييس الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة.
ومن ثم، فإن دمج العلاج بالفكاهة في خطة علاجية شاملة قد يُشكل رافدًا مساندًا فعّالاً.
متى يصبح الضحك ضارًا لا نافعًا؟
حذّرت برانييتسكا من أن العلاج بالفكاهة يحتاج إلى التوقيت الصحيح والشكل الملائم كي يؤتي ثماره. فالفكاهة قادرة على إخفاء الألم العاطفي بدلًا من معالجته، وقد يُولّد اعتمادها على المفاجأة أو السخرية شعورًا بالعزلة لدى مرضى الاكتئاب، ويكتسب هذا التحذير أهمية مضاعفة في حالات الاكتئاب الحاد الشديد.
ففي تلك الحالات، تُشير الباحثة إلى أن "دوائر المكافأة ومراكز التكامل الأمامية تكون في الغالب في حالة خمول مزمن أو انفصال"، ما يُضعف قدرة الدماغ على استيعاب الفكاهة.
ويُضاف إلى ذلك أن اللوزة الدماغية فائقة التفاعل في الاكتئاب الشديد قد تُفسّر المحتوى الفكاهي تهديدًا لا ترفيهًا، فتُطلق استجابة دفاعية بدلًا من الاستجابة العلاجية المرجوة.
وخلصت برانييتسكا إلى أن العلاج بالفكاهة يُناسب المرضى الذين يعانون الاكتئاب الخفيف أو المتوسط، فضلًا عن المتعافين من مراحل اكتئاب شديدة سابقة.
