علم الأعصاب يفسّر: كيف ولماذا يبني الدماغ الأكاذيب للخروج من المآزق؟
قد نمرُّ بمواقف عصِيبة، أو مأزق لا نستطيع الخروج منه إلّا بحِيلة، وربّما نضطر إلى الكذب أحيانًا كي نتجاوز مثل هذه المواقف أو خوفًا من أن يرفضنا الآخرون أو أن يعرفوا عنّا شيئًا لا نودّ كشفه.
ورغم أنّ الكذب كلام يخرج تلقائيًا، فإنّه يُنشّط قبلها مناطق مُتعدّدة من الدماغ تعمل معًا لبناء سرديّة الخداع، بخلاف الصّدق الذي لا يتطلّب سوى نشاط قشرة الفصّ الجبهي.
فلماذا قد تميل الدماغ إلى الكذب وكيف تبني سرديّة خادِعة بهدف حماية الذات؟ وهل يمكِن عكس تلك السرديّة؟
مفهوم الكذب في علم النفس
للكذب أنواع مختلفة، فقد يتضمّن خداع الذات لتبرير اختياراتنا أو لتشكيل واقعنا بما يناسِب رغباتنا، كما أنّ طريقة إدراكنا للعالم وتفاعُلنا معه قد تُسهِم في تشكيل الكذب.
فالثعلب المعروف بذكائه، يُظهِر شكلًا محددًا شائعًا من خداع الذات، فعندما تروي قصّة حكاية ثعلب يحاول الوصول إلى بعض العنب، لكنّه لا يستطيع، فإنّه يستسلم ويبتعد قائلًا إنّ العنب لم يكُن جيدًا على أي حال.
وهُنا الخدعة العقلية المتمثّلة في التقليل من أهمية شيء لا يمكِننا الحصول عليه؛ إذ يساعدنا ذلك على التخلّص من الإحباط الناجم عن عدم الحصول على ما نريد، وبالأحرى تصديق كذبة مُرِيحة بدلًا من مواجهة حقيقة مُؤلِمة.
كيف يختلق الدماغ الأكاذيب؟
ليس هُناك زر مُعيّن في الدماغ يقلبه من وضعية الصدق إلى الكذب، بل إنّ الكذب يتطلّب تسلسلًا منسقًا عبر مناطق مُتعدّدة من الدماغ، تستهلك كلّ منها طاقة أيضية تتجاوز بكثير ما تتطلّبه الاستجابة الصادقة من قشرة الفصّ الجبهي وحدها.
والكذب أو الخداع المتكرّر يُقلِّل النفور العاطفي -المُعتمِد على اللوزة الدماغية- من عدم الأمانة تدريجيًا من خلال عملية إزالة التحسّس المُشابِهة لأشكال أخرى من التعوّد العاطفي.
القشرة الجبهيّة تتحمّل العبء الأكبر
استخدم عالِم الأعصاب "شون سبنس" وزملاؤه في جامعة شيفيلد التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لإثبات أنّ القشرة الجبهية البطنية الجانبية (Ventrolateral prefrontal cortex) تُظهِر نشاطًا متزايدًا بدرجة ملحوظة في أثناء الكذب، مقارنةً بالاستجابات الصادقة.
فيتعين على هذه المنطقة أن تقمع في الوقت نفسه الاستجابة الصادقة، وتبني السرديّة الكاذبة، وتتأكّد من اتساقها، وتتنبأ باستجابة المُستمِع.
القشرة الحزامية الأمامية.. صراع داخلي قبل النُطق بالكذب
تراقِب القشرة الحزامية الأمامية (Anterior cingulate cortex) الصراع الواقع في الدماغ، وقد أظهرت الأبحاث التي أجراها "جوشوا جرين" وزملاؤه في جامعة هارفارد أنّ هذه المنطقة تنشط عندما يكتشف الدماغ التناقضات بين خيارات الاستجابة المتنافِسة في حالة الكذب؛ وبالأحرى الصراع بين ما تعرف أنّه صحيح وما تنوي قوله.
اللوزة الدماغية.. الإنذار الأخير
أمّا اللوزة الدماغية (Amygdala)، فتُضِيف بُعد التهديد، فالكذب يحمل مخاطر اجتماعية، والكشف عنه يعني مواجهة رفض محتمل أو عقاب أو ربّما فقدان المكانة.
وهُنا تُقيّم اللوزة الدماغية التهديد الاجتماعي في أثناء الخداع، وتُحدّد مدى شدّة هذا الخطر، ما قد يحفّز سلسلة لا إرادية تتضمّن ارتفاع معدل ضربات القلب، وزيادة الكورتيزول، والتعبيرات الدقيقة عن التوتر التي يكتشفها المراقِبون المُدرَّبون أحيانًا.
ولكن مع تكرار الكذب، فإنّ استجابات اللوزة الدماغية تتضاءل، فيعتاد الدماغ أكاذيبه الخاصّة؛ إذ كلّ كذبة صغيرة تقلّل من الإشارة العاطفية المرة التالية، ما يخلق مسار تصعيد كيميائي عصبي، تنمو فيه الأكاذيب بدرجةٍ أكبر، لأنّ نظام التحذير الداخلي يخبو تدريجيًا.
الجزيرة (Insula).. مشاعر السوء بسبب الكذب
تراقِب الجزيرة التغيّرات الفسيولوجية المصاحبة للكذب، بتتبّع نبضات القلب وأنماط التنفّس. ولدى الأفراد الذين يتكرّر منهم الكذب، يكون تنشيط الجزيرة خلال الخداع مرتفعًا، ما ينتج عنه استجابة جسدية غير مريحة يصفها معظم الناس "بالشعور بالسوء" تجاه الكاذب.
أمّا من اعتادوا الكذب والخداع، فإنّ حساسية الجزيرة لهذه الإشارات تنخفض، إذ تعلّموا أن يتوقّفوا عن الاستماع إلى نظام التحذير في عقولهم.
لماذا تميل الدماغ إلى الكذب بدلًا من الحقيقة؟
يُنشّط قرار الكذب مسارات عصبية مُعيّنة، ويحسب الدماغ نسبة التكلفة مقابل الفائدة من الكذب من خلال تقييم تهديد اللوزة الدماغية ومحاكاة الفصّ الجبهي قبل أن يرصد إدراكنا الواعي أنّ الحساب يحدث بالفعل، ما قد يجعل الكذب يبدو تلقائيًا وليس مُختارًا.
وعندما تُحقّق الكذبة النتيجة المرجوّة -تجنّب الصراع، أو اكتساب مزايا، أو الحفاظ على الصورة الذاتية- تُطلِق منطقة أخرى من الدماغ الدوبامين، فيُصنِّف الدماغ السلوك الخادِع على أنّه "ناجح"، ما يزيد من احتمالية تكرار الكذب في سياقات مستقبلية مماثلة؛ إذ لا يُقيِّم الدماغ التكلفة طويلة الأمد للكذب، ولكن يسجّل المكافأة الفورية التي جناها.
الكذب وسيلة لحماية الصورة الذاتية
أظهرت الأبحاث التي أجراها "دان أريلي" في جامعة ديوك أنّ مُعظم الناس يمارسون الخداع بما يكفي للحفاظ على مفهوم ذاتي إيجابي.
وبينما تراقِب القشرة الحزامية الأمامية الصراع الداخلي، فإنّها قد تسمح بخداع صغير يمكِن تبريره مع الإشارة إلى الخداع الأكبر الذي يتطلّب التخلّي عن الصورة الذاتية للمرء بأنّه شخص صادق.
فالعقل لا يختار بين الصدق والكذب بصفةٍ مُطلقة، بل ينتقل عبر تدرّج من التحريف الذي يخدم الذات والمحسوب لحماية الهوية، وعندما يؤدي الدفاع عن الأنا إلى بناء سردي خادِع للذات، يُصبِح هذا التدرّج مدمجًا بالفعل في الدماغ.
من الكذب إلى مفارقة الأصالة
غالبًا ما يكذب الناس في سياق تقديم ما يعتقدون أنّ الآخرين يريدون رؤيته، فلقد تعلّمت أدمغتهم إعطاء الأولوية للقبول الاجتماعي على التعبير الصادِق عن الذات، وبناء شخصيات خادِعة مُعقّدة تبدو في النهاية أكثر واقعية من ذواتهم الحقيقية، فيما يُعرَف بمفارقة الأصالة "Authenticity paradox".
وثمّة تكلفة عصبية للحفاظ على هذه الشخصية، مثل الحمل المزمن في الفصّ الجبهي، وارتفاع مستوى الكورتيزول (هرمون التوتر)، والصعوبة التدريجية في التمييز بين ما يؤمنون به حقًا، وما يحاوِلون إظهار أنّهم يؤمنون به.
تقول الدكتورة "سيدني سيروتو" عالِمة الأعصاب: "إنّ الخداع الأخطر لا يكمن في الكذب الذي تقوله للآخرين، بل في الرواية التي يبنيها دماغك لحماية مفهومك الذاتي، لأنّ هذه الكذبة ليس لها أيّ رقابة خارجية، وسوف يدافِع عنها الدماغ بالشدّة نفسها التي يدافع بها عن النجاة الجسديّة".
هل يمكِن عكس سرديّة الخداع الذاتي التي بناها العقل؟
بدايةً ينبغي أن يعلم المرء أنّ كلّ خداع ذاتي يحمل عبئًا، حتى لو لم يشعُر الشخص به بعد، وليس الحلّ في تحدّي الكذبة مباشرةً، لأنّ بنية الدماغ الآن مُصمّمة للاستماتة في الدفاع عن الكذبة -لأنّ الأنا مُهدّدة- وهذا لن يساعد على التغيير على الأرجح.
لذا تُرجّح الدكتورة "سيدني سيروتو" التدخّل من خلال بناء قدرٍ كاف من الأمان العصبي بحيث يتمكّن الدماغ من تحمّل القصّة التي لم يُصمِّمها، كي لا يتخذ رد فعلٍ دفاعي كأنّما هو مُهدَّد.
وفي الوقت نفسه الذي ينشط فيه الخداع الذاتي، تنشط من جهة أخرى المرونة العصبية الفورية، والهدف ليس استبدال اعتقاد بآخر، وإنّما إعطاء الدماغ تجربة ثانية، وهي أنّ الحقيقة التي كان يتجنّبها كان يمكِن الاحتفاظ بها دون الخطر الذي تنبّأ به، والذي أدّى إلى الكذب وبناء سردية مُخادِعة للذات.
وفي كلّ مرة يفشل فيها هذا التنبؤ في أن يتمثّل واقعًا، تفقِد البِنية الدفاعية الدماغية جزءًا منها، ويُصبِح من الممكن الوصول إلى سرديّة ذاتية أكثر صدقًا.
ختامًا، كان هذا جانبًا ضئيلًا من كيفية خلق الدماغ لسرديّة الكذب لحماية الذات، والثابت أنّه مع تكرار الكذب، تنطفئ الإنذارات العقلية المتمثّلة في اللوزة الدماغية، ما يجعل خداع الذات أسهل، حتى تُبنَى سرديّة كاملة بناءً على ذلك، وربّما لا يستعيد الدماغ السرديّة الصادقة أو المتوازنة بين ليلةٍ وضُحاها.
