سعة الذاكرة العاملة في الدماغ البشري.. كم عنصرًا تستوعب في اللحظة الواحدة؟
تتراوح سعة الذاكرة العاملة في الدماغ البشري بين ثلاثة وخمسة عناصر في أي لحظة، وهو رقم ثبتت صحته عبر عقود من أبحاث علم الإدراك، إذ لا تكمن عظمة الدماغ في اتساع هذا المخزن، بل في الآليات الذكية التي يعتمدها لإنجاز مهام هائلة من موارد محدودة.
لماذا اعتقد العلماء قديمًا أن الذاكرة تتسع لسبعة عناصر؟
أرسى عالم النفس الأمريكي جورج ميلر هذا الرقم عام 1956 في ورقته البحثية الشهيرة التي أشارت إلى أن الذاكرة العاملة تستوعب نحو سبعة عناصر.
غير أن دراسات لاحقة تحكّمت في حيل التكرار والتجميع أثبتت أن الحد الفعلي لا يتجاوز ثلاثة إلى خمسة عناصر مستقلة يمكن تثبيتها في الانتباه دون معينات للحفظ، وفقًا لموقع Biology Insights.
وتمحور النقاش العلمي حول ما إذا كان هذا الحد يعكس عددًا ثابتًا من الخانات المستقلة أم مجموعة موارد تتوزع على العناصر وتتمدد أو تنكمش وفق عددها.
ويرجّح ثقل الأدلة الحالية نموذج الخانات المحددة، أي أن الدماغ يمتلك تمثيلات ذهنية مستقلة بعدد محدود، وحين تمتلئ لا بد أن يخرج عنصر قديم قبل أن يدخل جديد.
ويتفاوت هذا الرقم بين الأشخاص؛ بعض التفاوت يعود إلى فروق حقيقية في السعة التخزينية، وبعضه إلى فروق في كفاءة استثمار السعة المتاحة، فالقيد الجوهري مشترك بين البشر، لكن الفارق يتجلى في طريقة توظيفه.
آلية الدماغ في تسجيل المعلومات
أقوى حيلة يلجأ إليها الدماغ هي "التقطيع"، وتعني دمج العناصر الفردية في وحدات ذات معنى تشغل كل منها خانة واحدة؛ فسلسلة من عشرة أرقام عشوائية تُرهق الذاكرة العاملة، لكن رقم هاتف مقسمًا إلى ثلاث مجموعات يصبح قابلاً للاستيعاب لأن كل مجموعة تستهلك خانة واحدة لا ثلاثًا.
ويعمل التقطيع باستدعاء تمثيل مضغوط من الذاكرة طويلة الأمد يحل محل العناصر الفردية، محررًا طاقة الذاكرة العاملة لاستقبال مادة جديدة.
ولا يرى خبير الشطرنج 32 قطعة على الرقعة بل أنماطًا مألوفة تشغل كل منها خانة واحدة، فيتفوق على المبتدئ بمراحل رغم امتلاكهما الذاكرة العاملة نفسها تقريبًا.
وما يعدّه الدماغ الخبير "عنصرًا واحدًا" قد يحمل من المعلومات ما يعجز الدماغ المبتدئ عن استيعاب عُشره؛ فالحاسوب لا يضغط بياناته آليًا بربطها بقاعدة معرفية ترابطية، بينما يفعل الدماغ ذلك في كل لحظة ودون جهد واعٍ.
ما الذي يُقلّص سعة الذاكرة العاملة فعليًا؟
الحرمان من النوم من أشد العوامل تأثيرًا؛ أظهرت دراسة على مشاركين أُبقوا مستيقظين 24 ساعة متواصلة أن دقة الانتباه الانتقائي تراجعت من 82% إلى 70%، ثم ارتدت إلى 86% بعد ليلة نوم كاملة؛ فالقدرة على كبح الاستجابات غير الملائمة انخفضت بدورها من 94% إلى 87%.
ولا يلغي الحرمان من النوم الخانات الذهنية، بل يُضعف المنظومة المحيطة بها؛ الانتباه الذي يحرس مدخلات الذاكرة العاملة والكبح الذي يمنع العناصر الدخيلة من احتلال خاناتها يتداعيان معًا، فتتقلص السعة الفعلية حتى حين تبقى الخانات سليمة.
وتكشف نماذج الدوائر العصبية عن توازن ثلاثي بين الاستقرار والمرونة والطاقة المستهلكة؛ حين ينضب الوقود البيولوجي يميل النظام نحو المرونة على حساب الاستقرار؛ فهذا ما يجعل فقدان خيط الأفكار في لحظات الإرهاق ظاهرة بيولوجية قابلة للقياس لا مجرد انطباع ذاتي.
علاقة الذاكرة العاملة بالعمر
كشفت دراسة مستعرضة شملت أعمارًا تبدأ من خمس سنوات وتمتد إلى ما فوق الستين أن الدرجات ارتفعت نحو 23 نقطة معيارية بين سن الخامسة والتاسعة عشرة، ثم تباطأ النمو ليُسجل أربع نقاط فقط بين العشرين والتاسعة والثلاثين، فيما بلغ الأداء ذروته حول سن الثلاثين.
وبعد هذه الذروة يبدأ انخفاض تدريجي بطيء بواقع نقطة واحدة تقريبًا بين الخمسين والتاسعة والستين.
وإحباط الأطفال من التعليمات متعددة الخطوات ليس عنادًا بل ضيق في الموارد الذهنية الفعلية، والنسيان الخفيف في منتصف العمر حقيقي، غير أنه ضئيل قياسًا بالنمو الهائل في سنوات التكوين.
ويُفسَّر هذا الانحدار دائمًا بتراجع السعة الخام، بل يرتبط في أحيان كثيرة بتراجع كفاءة استثمار الخانات المتاحة.
وتهبط ذاكرة الإنسان في الخمسين ببطء من قمة بلغتها قبل عقدين، وما تفقده في السعة يمكن تعويض جزء منه بخبرة التقطيع المتراكمة.
