دراسة حديثة تكشف سر ارتباط الألم الجسدي بمرض الاكتئاب المزمن
كشفت دراسة علمية حديثة عن الأسباب الحيوية التي تجعل الألم الجسدي المستمر يؤدي إلى الإصابة بحالات الاكتئاب المزمن لدى البعض دون غيرهم.
وأوضحت الدراسة التي نُشرت في مجلة "ساينس" العلمية، أن الإجابة تكمن في الطريقة التي يتفاعل بها الدماغ مع الضغوط المستمرة، وتحديدًا في منطقة "الحصين" المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، حيث يعاني نحو 40% من المصابين آلامًا مستمرة من أعراض اكتئاب واضحة.
علاقة الألم بالاكتئاب المزمن
استند الباحثون، بقيادة البروفيسورة باربرا جاكلين ساهاكيان من جامعة كامبريدج، إلى تحليل دقيق لصور الدماغ لنحو 14,462 مشاركًا، ليتوصلوا إلى نتائج مذهلة؛ حيث تبيّن أن أدمغة الأشخاص الذين صمدوا أمام الألم لمدة 7 سنوات دون الوقوع في فخ الاكتئاب المزمن، قد طورت آلية دفاعية فريدة تمثلت في زيادة طفيفة في حجم منطقة "الحصين"، وهي المنطقة التي تُعد "مركز السيطرة" على الذاكرة والمشاعر في الدماغ، ما أدى إلى تحسن ملحوظ في قوة ذاكرتهم وقدرتهم على الصمود.
وفي المقابل، كشفت الصور أن المصابين بالاكتئاب عانوا انكماشًا في حجم هذه المنطقة وتراجعًا في قدراتهم الذهنية، ما يعكس بوضوح عجز الدماغ عن الاستمرار في مقاومة الألم بمرور الزمن.
ولم تقتصر هذه النتائج على نوع واحد من الألم، بل شملت آلام الظهر والمعدة والركبة والورك والصداع، ما يؤكد أن التغيرات الدماغية مرتبطة بالألم المستمر بحد ذاته.
وأجرى الباحثون تجارب على القوارض أظهرت تسلسلاً مشابهًا؛ حيث تبدأ كاستجابة وقائية ثم تتحول إلى سلوكيات تشبه القلق، وتنتهي بأعراض تشبه الاكتئاب المزمن وضعف الذاكرة نتيجة الضغط المستمر الذي يقتل الخلايا العصبية.
كيف يتحول الألم الجسدي إلى اكتئاب مزمن؟
بينت الأبحاث التي شارك فيها البروفيسور جيان فنغ فنغ من جامعة فودان، أن منطقة "التلفيف المسنن" في الدماغ هي المسؤول الأول عن هذا التحول.
ففي البداية، تحاول الخلايا العصبية حماية الدماغ، ولكن مع استمرار الألم، تنشط خلايا مناعية تسمى "الميكروغليا" بشكل غير طبيعي، مما يؤدي إلى تعطل الإشارات العصبية وبدء ظهور أعراض الاكتئاب المزمن.
وأشار الباحثون إلى أن استخدام المضاد الحيوي "مينوسيكلين" ساهم في كبح هذا النشاط المناعي الضار وحافظ على بنية الحصين في النماذج الحيوانية.
وأكدت الدراسة أن اتباع نمط حياة صحي يتضمن النوم الجيد والرياضة، وممارسة "اليقظة الذهنية"، يقلل من مخاطر الاكتئاب المزمن بنسبة 57%، حيث تسهم هذه العادات في زيادة كثافة المادة الرمادية في الدماغ وتعزيز قدرته على الصمود أمام الآلام المزمنة والصدمات النفسية.
