كيف يؤثر التمرير المستمر على صحتك النفسية؟ أرقام صادمة تكشف الخطر
ربط علماء من جامعات أوروبية وأمريكية وآسيوية بين عادة التمرير اليومية على منصات التواصل الاجتماعي وخسارة البشرية ما يقارب 2.8 مليون سنة من الصحة النفسية، في تحذير علمي من أشمل المراجعات التي رصدت تأثير الشاشات على الأجيال الشابة.
واستندت المراجعة التي نشرتها مجلة The Lancet إلى بيانات تسعة ملايين شاب، وحملت شركاتِ التقنية مسؤوليةً مباشرةً عن تفاقم أزمة الصحة النفسية العالمية.
وتُلقي هذه النتائج بظلالها الثقيلة على نقاشٍ واسعٍ يتصاعد حول ضرورة تنظيم هذه الشركات وحماية الأجيال القادمة.
كيف تؤثر الشاشات على صحة الشباب؟
رصدت المراجعة العلمية الشاملة -التي حلّلت بيانات 121 دراسة سابقة- رابطًا واضحًا بين قضاء أكثر من ساعتين يوميًا أمام الشاشات وتراجع الصحة النفسية، إذ يرتبط هذا الاستخدام المفرط بمعدلات أعلى من الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم.
ويرى الباحثون أن التمرير على الهاتف لا يسرق الوقت وحده، بل يزيح ثلاثة عناصر جوهرية من حياة الشباب: النوم الكافي، والنشاط البدني، والتواصل الاجتماعي المباشر وجهًا لوجه، وهذا الثلاثي هو ما تُجمع الأبحاث على كونه ركيزة الصحة النفسية السليمة.
ولا تقتصر التداعيات على الجانب النفسي؛ فالتمرير المستمر على منصات مثل Instagram وTikTok مرتبط أيضًا بخسارة نحو 240,000 سنة بشرية بسبب السمنة، في مؤشر صارخ على أن تأثير الشاشات يمتد إلى الصحة الجسدية بالقدر ذاته.
علاقة المنصات الرقمية باضطرابات النمو العصبي
لا تكتفي المراجعة بوصف الظاهرة، بل تضع أصابعها على آلية عمل المنصات الرقمية نفسها، وتصفها صراحةً بأنها منصات مصمَّمة بخصائص إدمانية تهدف إلى إبقاء المستخدم مشدودًا أطول وقت ممكن.
وقالت البروفيسورة إيلونا كيكبوش التي قادت فريق المراجعة، إن الحكومات تركت لشركات التقنية حرية وضع قواعدها بنفسها، ما أفرز نماذج تجارية قائمة على استهداف الانتباه وجمع البيانات، فيما تبقى الصحة العامة في آخر أولوياتها.
وتمتد تداعيات الاستخدام الإشكالي الشبيه بالإدمان لتطال اضطرابات النمو العصبي أيضًا، إذ رصدت الدراسات التي شملتها المراجعة صلات بين الاستخدام المفرط وحالات مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والتوحد.
مطالب بحماية الشباب والأطفال من المنصات الرقمية
في ظل تصاعد الضغوط على منصات كـ Instagram وTikTok لتعزيز حماية الأطفال، أدخلت هذه المنصات ضوابط للوالدين وآليات للتحقق من العمر؛ غير أن الباحثين يؤكدون أن هذه الإجراءات تبقى قاصرة عن معالجة الأخطار الحقيقية.
ويطالب الفريق العلمي بإنشاء هيئة دولية متخصصة تُنظّم عمل شركات التقنية وترصد الأضرار التي تلحق بالأطفال والشباب، بدلاً من الاكتفاء بقيود عمرية يسهل تجاوزها، ويشمل ذلك إلزام الشركات بالإفصاح عن تأثير خصائصها الإدمانية على صحة المستخدمين.
وأضافت دراسة نشرتها مجلة JAMA Pediatrics هذا العام بُعدًا آخر للمشكلة، إذ ربطت بين ارتفاع وقت الشاشة وتراجع التحصيل الأكاديمي وصعوبات لغوية وعاطفية عند الأطفال، مشيرةً إلى أن هذا التأثير يضاهي أو يتجاوز أحيانًا عوامل أخرى معروفة كالوضع الاجتماعي والاقتصادي والسلوك الوالدي.
أصوات الشباب في قلب النقاش
أشرك الباحثون في مراجعتهم مجموعة من ستة شبان تراوح أعمارهم بين 23 و30 عامًا، للاستناد إلى تجاربهم الحية مع التمرير على الهاتف والإدمان الرقمي.
وقال الدكتور سلمان فطرت خان، الطبيب الشاب وعضو المجموعة، إن الأضرار الصحية المرتبطة بالأنظمة الرقمية قابلة للوقاية، وإن تمكين الشباب من المشاركة في تشكيل هذه الأنظمة كفيل بأن يجعل الفضاء الإلكتروني مصدرًا للتواصل والفرص دون أن يهدد الصحة.
وشدّد على أنه لا ينبغي للحكومات انتظار دليل قاطع ونهائي قبل اتخاذ إجراءات حماية جيله والأجيال القادمة من تداعيات التمرير على الهاتف وإدمان المنصات الرقمية.
