هل تسرق مواقع التواصل الاجتماعي ثقتك بنفسك؟
بين نقرة وأخرى، وتصفح لا نهائي لصفحات منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة، ينغمس ملايين الشباب في طقس يومي يبدو في ظاهره تسلية بريئة، لكنه في العمق يلتهم ببطء السلام الداخلي والرضا الذاتي.
وتأكيدًا لهذا الواقع، كشفت دراسة دولية حديثة قادها الباحث جيانلوكا لو كوكو من جامعة باليرمو الإيطالية، ونُشرت في "المجلة البريطانية لعلم النفس الصحي"، عن وجود ارتباط واضح بين زيادة الوقت المستغرق في تصفح هذه التطبيقات وانخفاض مستويات الرضا والتقدير تجاه مظهر الجسد الخارجي، ما يحول الشاشات الافتراضية إلى مرايا مشوهة تعرض نسخًا برّاقة توهم المستخدمين بأن واقعهم يحمل نقصًا يحتاج إلى ترميم.
صناعة الزيف وتصدير معايير الجمال المشوهة
أثبتت الدراسة، التي شملت استطلاعًا واسعًا عبر الإنترنت لـ 5,933 شابًا وفتاة من دول مختلفة، أن التدفق البصري المستمر لا يتوقف عن تصدير معايير جمالية بالغة الحدة والزيف.
فعلى الجانب الأنثوي، تُحصر الجاذبية في نحافة مفرطة ومقاييس حادة لا تراعي التنوع الطبيعي لأجساد البشر، بينما يُحاصر الشباب والرجال في قوالب من الضخامة العضلية الصارمة والمنحوتة كشرط وحيد للكفاءة والقبول.
وتوضح المؤشرات العلمية كيف تقع عقول الشباب في مصيدة "المقارنة غير العادلة"؛ حيث تبدأ محاكمة صامتة بين واقع ملموس يحمل طبيعته البشرية، وبين خيال رقمي جامد مصقول بأدوات تكنولوجية، ما يؤدي إلى تدمير مشاعر الامتنان، ليحل محلها تدقيق جارح يتصيد العيوب، ورغبة قهرية في الخضوع لمقاييس الشاشة.
تطبيقات المواعدة والرفض الرقمي الخاطف
وعند الانتقال من فضاء التواصل العام إلى تطبيقات المواعدة، تظهر نتائج الدراسة تجربة أكثر حدة وقسوة على الوجدان.
وفي تلك المنصات، يُختزل الإنسان بكامل تفاصيله في الصورة الشخصية المعروضة، ويجد المستخدم نفسه في ساحة تقييم فوري ومنافسة شرسة وعرضة لرفض خاطف بنقرة إصبع لا تستغرق جزءًا من الثانية.
هذا النمط من التعامل، وفقًا للتحليل العلمي، يضع الهوية النفسية تحت تهديد دائم، ويحفز هوس البحث عن النواقص البدنية، ويدفع الفرد مكرهًا إلى الركض خلف بنية عضلية مبالغ فيها لانتزاع القبول الافتراضي وتفادي الرفض الرقمي، وهي ظاهرة برزت بشكل أقوى لدى فئة الشباب الذكور الذين يقضون وقتًا أطول على هذه التطبيقات.
طريق التحرر واسترداد السلام النفسي المفقود
تؤكد الدراسة أن الاستخدام القوي لهذه المنصات يمثل حلقة مفرغة من الجلد النفسي، يسير فيها المستخدمون نحو استنزاف طاقاتهم دون وعي، لاهثين خلف طيف مثالية واهمة صممتها الخوارزميات لتبقيهم رهن التصفح والاستهلاك.
وتغفل هذه الآليات الرقمية حقيقة أن القيمة الحقيقية للأجساد تكمن في قدرتها على العيش والنمو في أي ظرف. ولعل التحرر الحقيقي من هذا السجن الرقمي لا يحتاج إلى معجزات، بل يبدأ بقرار شجاع وبسيط يتمثل في إغلاق هذه الشاشات لفترات أطول، والالتفات إلى الذات بوعي جديد، لمصالحة المرايا الحقيقية واسترداد السلام المفقود.
