لماذا يُصاب غير المدخنين بسرطان الرئة؟
لطالما ارتبط سرطان الرئة في أذهان كثيرين بالتدخين، حتى إن السؤال الأول الذي يواجهه المريض غالباً يكون: "هل كنت تدخن؟"، لكن الإجابة ليست دائماً نعم؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 25% من حالات سرطان الرئة حول العالم تحدث لدى أشخاص لم يدخنوا قط، في وقت تتراجع فيه معدلات التدخين عالمياً.
وتكشف دراسة جديدة نُشرت في مجلة Science العلمية، عن أحد الأسباب الوراثية التي قد تفسر جانباً من هذه الحالات، بعدما حدد الباحثون متغيراً جينياً نادراً يُعرف باسم "T790M"، يمكن أن يزيد احتمالات الإصابة بسرطان الرئة بنحو 25 ضعفاً بصورة عامة، وبأكثر من 60 ضعفاً لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا قط.
ماذا يفعل المتغير T790M؟
يرتبط المتغير بجين "EGFR"، الذي يحمل تعليمات تكوين مستقبل موجود على سطح خلايا الرئة، ويلعب دوراً في تنظيم نمو الخلايا وانقسامها.
وتُعد التغيرات التي تحدث في هذا الجين خلال حياة الإنسان من الأسباب الشائعة لسرطان الرئة لدى غير المدخنين، خصوصًا في شرق آسيا، ولذلك طُورت أدوية موجهة تستهدف هذه التغيرات.
لكن "T790M" يختلف عن الطفرات المكتسبة خلال الحياة؛ فهو متغير موروث يوجد في خلايا الجسم منذ الولادة ويمكن أن ينتقل من الآباء إلى الأبناء.
وتشير النتائج إلى أنه لا يسبب السرطان بمفرده، وإنما يهيئ جين "EGFR" لحدوث خطأ إضافي في وقت لاحق من العمر، ما قد يقود إلى تكوّن الورم.
وكانت دراسة تعود إلى عام 2005 قد رصدت هذا التغير الجيني داخل عائلة شهدت عدة إصابات بسرطان الرئة، كما ظهرت طفرة ثانية في "EGFR" على النسخة الجينية نفسها في أربعة من أصل ستة أورام جرى فحصها.
قاد "معهد دانا-فاربر للسرطان" (Dana-Farber Cancer Institute)، بالتعاون مع "معهد أبحاث 23andMe"، الدراسة الجديدة من خلال تحليل البيانات الجينية لأكثر من 10 ملايين مشارك في قاعدة بيانات "23andMe" ممن وافقوا على استخدام بياناتهم، مع التركيز على 3.37 مليون شخص من أصول أوروبية لديهم تاريخ معروف للإصابة بسرطان الرئة.
وظهر المتغير لدى شخص واحد تقريباً من بين كل 15,850 شخصاً، بينما ارتفعت احتمالات الإصابة بسرطان الرئة لدى حامليه بنحو 25 ضعفاً. ووصلت الزيادة إلى أكثر من 60 ضعفاً لدى غير المدخنين، مقابل نحو 10 أضعاف لدى المدخنين.
ولا تعني هذه النسبة أن التدخين يقلل الخطر، إذ يبدأ المدخنون أصلاً من مستوى خطر أعلى، وبالتالي يظهر التأثير الإضافي للمتغير بشكل أقل نسبياً.
كشفت البيانات أن الغالبية العظمى من حاملي المتغير تنحدر من سلالة واحدة من المستوطنين البريطانيين والأيرلنديين، إذ تركز وجوده قبل نحو 200 إلى 225 عاماً في جنوب جبال الأبالاش، وانتقل داخل مجتمعات معزولة نسبياً عبر الأجيال.
وفي بعض مناطق جنوب الأبالاش، يظهر المتغير لدى شخص من كل 2000 تقريباً، أي بمعدل يزيد على سبعة أضعاف المعدل الوطني، في المقابل، يبدو نادراً بين الأشخاص من أصول آسيوية، رغم ارتفاع نسبة سرطان الرئة بين غير المدخنين في بعض المناطق الآسيوية، ما يشير إلى وجود عوامل خطر أخرى.
عوامل خفية وراء سرطان الرئة
لا تتوقف القصة عند الوراثة؛ فالبيئة تلعب دوراً مهماً أيضاً. ويُعد غاز الرادون، وهو غاز عديم اللون يتسرب إلى المنازل من باطن الأرض، السبب الرئيسي لسرطان الرئة لدى غير المدخنين، ويتسبب في وفاة نحو 2900 شخص منهم سنوياً في الولايات المتحدة.
كما يرتبط تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة بسرطان الرئة، وقد أظهر تحليل نشرته مجلة "نيتشر" (Nature) عام 2025 لأورام مأخوذة من أشخاص لم يدخنوا قط وجود بصمات مرتبطة بالتعرض البيئي.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن سرطان الرئة لدى غير المدخنين ليس لغزاً واحداً له سبب واحد، بل نتيجة محتملة لتداخل الجينات والبيئة والعوامل التي تتراكم على مدار سنوات الحياة.
ويوصي الباحثون الأشخاص الذين لديهم جذور عائلية في جنوب شرق الولايات المتحدة وتاريخ عائلي للإصابة بسرطان الرئة باستشارة اختصاصي في الاستشارات الوراثية.
