الرسائل الحميمية الرقمية بين الأزواج.. جسر للألفة أم عبء على العلاقة؟
يتصاعد الجدل العلمي حول تأثير الرسائل الحميمية الرقمية على العلاقات الزوجية، وتتضارب نتائج الدراسات بين من يرى فيها أداةً لتعزيز الحميمية، ومن يربطها بالصراعات العاطفية والتوترات.
غير أن باحثة من جامعة تورنتو الميتروبوليتانية وجدت أخيرًا مفتاحًا نفسيًا يحسم هذا الجدل ويفسّر التناقض كله. السرّ لا يكمن في الرسائل نفسها، بل في السبب الذي يدفع الشريك إلى إرسالها.
هذا وقد أربك الباحثين تاريخيًا غياب إجابة حاسمة حول التواصل الحميمي الرقمي بين الأزواج؛ إذ أظهرت بعض الدراسات أنه يرفع مستوى الرضا عن العلاقة ويعزز الرفاه الشخصي، في حين ربطته دراسات أخرى بتصاعد الصراعات وتراجع المزاج العاطفي.
وقد لاحظت الباحثة إيرين ليه كورتيس، من مختبر CARE بجامعة تورنتو الميتروبوليتانية، أن هذا التناقض نابع من إغفال الأبحاث السابقة لعنصر جوهري، هو الدوافع النفسية التي تقف خلف ممارسة هذا النوع من التواصل داخل العلاقات العاطفية الثابتة.
وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في Journal of Sex Research، لتقدّم إطارًا تفسيريًا جديدًا يوضح أن الأثر لا يتحدد بالفعل ذاته، بل بالسبب الذي يدفع الشريك إلى القيام به.
الإطار النظري: مفهوم الإقبال والتجنّب
اعتمدت كورتيس وزملاؤها الإطار النفسي المعروف بـ"نظرية دوافع الإقبال والتجنّب" لفهم هذه الظاهرة. وبحسب هذا الإطار، ينقسم الناس في سلوكاتهم، بما فيها السلوكات الجنسية، بين من يسعى نحو نتيجة إيجابية ومن يهرب من نتيجة سلبية.
دوافع الإقبال تدفع الشخص نحو هدف محدد كاكتساب المتعة أو تعميق الارتباط العاطفي بالشريك. أما دوافع التجنّب فتحرّك الشخص هربًا من شيء يخشاه، كتفادي نزاع أو الخوف من خيبة أمل الشريك.
أجرى الفريق البحثي دراستين متتاليتين؛ اعتمدت الأولى على مقابلات نوعية معمّقة مع 25 مشاركًا كنديًا راوحت أعمارهم بين 18 و40 عامًا، بهدف رصد دوافع التواصل الحميمي الرقمي وتصنيفها في أربعة محاور رئيسة: الذات، الشريك، العلاقة، والتقنية.
أما الدراسة الثانية فجاءت بعينة أوسع شملت 459 بالغًا في علاقات ثابتة، بمتوسط عمر 30 عامًا، حيث طُلب من المشاركين تقييم دوافعهم ومستوى رضاهم الجنسي والعاطفي وجودة حياتهم بشكل عام.
النتيجة المفاجئة: التجنّب لا يعني الندرة
توقّع الباحثون في البداية أن أصحاب الدوافع التجنّبية سيقلّلون من ممارسة التواصل الحميمي الرقمي، لكن النتائج جاءت عكس ذلك تماماً؛ إذ ارتبطت كثرة هذا النوع من التواصل بالدوافع التجنّبية لا بالدوافع الإقبالية وحدها.
ويُفسَّر ذلك بأن السلوك الذي ينجح في تفادي النتيجة المخشية يعزّز نفسه ويتكرر، حتى وإن لم يكن نابعًا من رغبة حقيقية. بمعنى آخر، قد يُرسل أحد الشريكين رسائل حميمية بدافع الخوف لا بدافع الشوق.
وقد أظهرت الدراسة أن التواصل الحميمي الرقمي المدفوع بدوافع الإقبال ينعكس إيجابًا على الرضا الجنسي والعاطفي داخل العلاقة، بينما يرتبط التواصل المدفوع بدوافع التجنّب بتراجع ملموس في هذا الرضا.
وهذا يعني أن الشخص الذي يتواصل مع شريكه سعيًا إلى مزيد من الألفة والمتعة يجني ثمارًا عاطفية مختلفة جذريًا عمّن يفعل الشيء ذاته خشية إزعاج الطرف الآخر أو تفاديًا للصراع.
وتشير هذه النتائج إلى أن السؤال الأهم أمام الأزواج ليس: هل يمارسون التواصل الحميمي الرقمي؟ بل: لماذا يمارسونه؟ فعندما تكون هذه الرسائل نابعة من رغبة صادقة في التقرّب وتبادل الحميمية، فإنها تُسهم في تقوية الرابط العاطفي بينهما. أما إذا جاءت نتيجة قلق أو ضغط خفي، فإنها تُضيف طبقة من التوتر غير المعلن داخل العلاقة، حتى وإن بدت في ظاهرها مجرد رسائل عادية.
