الراحة النفسية.. أنواعها وكيف تستعيد الهدوء وسط ضجيج الحياة؟
تتشتّت عقولنا أمام شاشات الهواتف، ويضطرب تفكيرنا مع صخب الحياة الحديثة، ولا نتوقف لحظة لالتقاط أنفاسنا والتفكير في راحتنا في عالم يتحدّث بلغة الثواني أو ربّما أسرع من ذلك.
وباتت الراحة النفسية أبعد عن واقعنا من أي وقتٍ مضى، رغم ما وفّرته التقنيات الحديثة والتسهيلات التي لم ينعم بها البشر من قبل قط، ولكن الحقيقة أنّ مفهوم الراحة لدينا قد يكون بحاجةٍ إلى إزالة بعض الغبار من عليه.
وبينما تسترخي وتتصفح هاتفك، تظنّ أنّك تستريح من إرهاق يومك، أو بينما تنام ليلاً تظنّ أنّ الراحة هي النوم، ولكن الحقيقة أنّ مفهوم الراحة يتجاوز ذلك بكثير، فكيف تستعيد راحتك المفقودة في عالمٍ لا ينخفض إيقاعه لحظة؟
نظرة على أنواع الراحة التي تحتاج إليها
الراحة النفسية ما هي إلا لون واحد من ألوان الراحة التي تحتاج إليها؛ إذ تضمّ أنواع الراحة السبعة وفقًا للدكتورة سوندار دالتون سميث مؤلّفة كتاب "Sacred Rest: Recover Your Life, Renew Your Energy, Restore Your Sanity"، والتي أوردتها جمعية علم النفس الأمريكية "APA" أيضًا:
1. الراحة الجسدية
الراحة الجسدية هدفها استعادة طاقة جسمك، سواء بإعطاء الأولوية للنوم أو أخذ قيلولة عندما تكون بحاجةٍ إليها.
ولا تعني الراحة الجسدية بالضرورة أن تظلّ ساكنًا، بل يمكنك الحصول على تدليك لمعالجة العضلات المتوترة بعد أسبوع شاق في العمل أو ممارسة تمارين التمدّد بدلاً من التمارين الشاقة.
وبدلاً من مجرّد زيادة ساعات نومك بالليل، يمكِنك اتخاذ خطوات فاعلة لتحسين جودته، مثل إبقاء هاتفك خارج غرفة نومك لتجنّب التمرير قبل النوم، الذي قد يمنعك من الاسترخاء.
2. الراحة العقلية
وعندما يكون دماغك نشطًا لفترات طويلة، فقد تُستنزَف طاقتك الذهنية، والراحة العقلية معنيّة بإيجاد طرق لتهدئة أفكارك، وإتاحة المساحة الكافية لعقلك للتزوّد بالوقود لاستئناف مهامه.
وتتجلّى الراحة النفسية أو العقلية في العمل من خلال جدولة فترات راحة خلال ساعات العمل، أو إنجاز مهام بسيطة لا تتطلّب جهدًا ذهنيًا، مثل طيّ الملابس أو حلّ الألغاز، بدلاً من المهام المستنزِفة.
ويمكن أن تساعد كتابة اليوميات على تفريغ الأفكار المحتشدة داخل الدماغ، ما يمنح عقلك فرصة للراحة.
3. الراحة العاطفية
أيضًا تستهلك المشاعر طاقتك، ولذا فالراحة العاطفية جزءٌ لا ينفكّ من الراحة النفسية، وتتضمّن الراحة العاطفية إيجاد طرق عملية للتعبير عن مشاعرك، وتحريرك من الضغط الناجِم عن إبقاء المشاعر عالِقة في داخلك تستنزفك تدريجيًا.
وتتمثّل الراحة العاطفية في معالَجة مشاعرك مع صديق أو معالِج بدلاً من تجاهلها، أو ربّما من خلال قول "لا" للأنشطة التي تستنزِف مشاعرك، بما يتضمّنه ذلك من وضع حدود مع الأشخاص والمهام المرهقة عاطفيًا، أو تشغيل وضع "عدم الإزعاج" على هاتفك لإبعاد نفسك عن المحادثات المرهِقة عاطفيًا.
4. الراحة الاجتماعية
ليست الراحة الاجتماعية للانطوائيين فقط، بل لكلّ إنسان حد أدنى مطلوب من الراحة الاجتماعية، فالوجود بين الناس طوال الوقت أمر مرهق؛ لذا تعني الراحة الاجتماعية جدولة عدد أقل من الأنشطة خلال الأسبوع أو قضاء مزيد من الوقت بمفردك لإعادة شحن طاقتك أو بطاريتك الاجتماعية.
5. الراحة الحسّية
ويمتلئ العالم ضجيجًا من حولنا، إمّا ضجيج إشعارات الهاتف التي لا تتوقّف، أو الأصوات الصادرة من الأجهزة الذكية التي تملأ حياتنا، وهذا يطغى على حواسنا.
لذا فالراحة الحسّية تمثّل فرصة لاستنشاق نسيم الحياة الطبيعية ولو لبُرهة من الوقت، وذلك بأداء بعض الأنشطة بدلاً من قضاء الوقت أمام الشاشات، مثل التواصل مع أحد أفراد أُسرتك، أو قضاء بعض الوقت في الهواء الطلق.
6. الراحة الإبداعية
وإذا كانت وظيفتك تتطلّب الإبداع أو العصْف الذهني أو حلّ المشكلات، فلا بُدّ أن يكون لك نصيب من الراحة الإبداعية.
وإلى جانب منح عقلك استراحة بين الحين والآخر، ابحث عن طرق للانخراط في هوايات إبداعية -سواء الحياكة أو الكتابة أو الرسم- من أجل المُتعة، فهذا يساعد على زيادة مخزونك الإبداعي.
7. الراحة الروحية
وتعني الراحة هُنا الابتعاد عن أنماط التفكير المتصلّبة التي تسبّب التوتر أو الضغط في حياتك، وفقًا لما تقوله آيانا أبرامز، الدكتورة في علم النفس السريري ومؤسسة مركز "Ascension Behavioral Health" في أتلانتا.
وتعني الراحة الروحية اتّخاذ خطوات نحو ما يُشعِرك بالتغذية النفسية والوجدانية عبر الارتباط بقضية ذات مغزى بالنسبة لك، أو ببساطة تخصيص بعض الوقت للاستمتاع بجمال الطبيعة.
لماذا قد نقاوم الراحة النفسية رغم حاجتنا إليها؟
أحيانًا رغم حاجتنا الماسّة إلى الراحة، لا نحصل عليها، وربّما نضع حواجز تقف في طريقنا أمام الراحة، ولعلّ ذلك يرجع إلى الأسباب الآتية:
1. شغف الإنجاز
قد تمنعك رغبتك في تحقيق نجاحات استثنائية من أخذ فترات راحة، ولكن في مثل تلك الحالات يمكِنك التعامل مع التوقف عن العمل -حتى لو مؤقتًا لأخذ قسط من الراحة- كما لو كُنت تتعامل مع الإقلاع عن التدخين.
وربّما تعتقد أنّ الراحة هي كسل، ولكن على أي حال، ينبغي إعطاء نفسك وقتًا للراحة، وإن لم يمكِن ذلك، فيمكنك الانتظار حتى تستريح عندما تشعر بالإرهاق التام وعدم القدرة على الاستمرار بنفس الوتيرة، وإن كان ذلك غير مثالي.
2. الكمالية
يتّسم بعض الناس بميولٍ نحو الكمال في كل شيء، فيتحدّون أنفسهم كل يوم بل كل دقيقة لتوجيه أنفسهم نحو تحقيق أهدافٍ صعبة.
ورغم أنّ تحديد الأهداف يمكِن أن يساعد على النجاح، ولكن من السهل أن تبتلعك دوّامة المثالية دون أن تشعر بذلك.
وهذا قد يؤثّر في قدرتك على التنعّم بالراحة، بسبب الخوف الشديد من أن تخرج عن مسار أهدافك التي تكاد تكون مستحيلة.
3. الانزعاج من الراحة
ينزعج بعض الناس مع حصولهم على الراحة؛ إذ لا تكون تجربة مريحة لهم، وربّما يضايقهم الملل في أثنائها، لأنّ الملل أحيانًا قد يجعل المرء يكتشف مشاعر صعبة، مثل الوحدة أو الغضب أو غيرهما.
4. الخوف من الراحة
تتطلّب الراحة النفسية التوقّف عن فعل أي شيء تفعله، ولكنّك قد تخشى الراحة لأنّها ستوقِف مسيرتك، وربّما تخاف أن تضطّر إلى العمل بسُرعة أكبر لتعويض الوقت، ما قد يؤدي إلى ارتكاب أخطاء، أو ترك بعض العمل دون إتمامه، أو تقليل الوقت الشخصي لاحقًا.
ولكن لا ينبغي لتلك المخاوف أن تقف عائقًا أمام راحتك؛ إذ دلّت عديد الدراسات على أنّ فترات الراحة في العمل تساعد على تحسين الأداء.
5. عدم معرفة كيفية الراحة
قد لا تدرِك مفهوم الراحة بدقّة، فمثلًا قد تظنّ أنّك بينما تجلس مسترخيًا تمرّر عبر هاتفك أنّك تستريح، ولكن الحقيقة أنّ تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي أو لعب الألعاب أو ممارسة الأنشطة الأخرى على هاتفك أمر مرهِق من ناحية أخرى، لأنّ الدماغ يحاوِل معالجة كلّ ذلك بسُرعة.
وربّما عندما تتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، تبدأ بمقارنة نفسك بالآخرين أو تشعر بمشاعر سلبية تتعلّق بالمحتوى المعروض، مثل الغضب، وكلّ هذا بلا شك يحرمك من الراحة التي تحتاج إليها.
6. الخلط بين الراحة والنوم
الراحة والنوم ليسا نفس الشيء، وفي هذا السياق تقول سارة ماكلولين المعالجة النفسية المرخصة في سان فرانسيسكو: "حتى النوم ليس مريحًا للشخص الذي لا يستطيع الراحة في أوقات يقظته. فإذا كان الدماغ في حالة توتر مستمر خلال ساعات اليقظة، فإنّه في كثير من الحالات يفقد -أو يكون قد فقد بالفعل- المسارات العصبية التي تطلب منه تقليل استجابة التوتر أو إيقافها".
وتعرّف "ماكلولين" الراحة بأنّها التوقف عن العمل والقلق، وأنّ الراحة الحقيقية تتطلّب انخراط المرء بأكمله؛ بنفسه وجسده، في حالة من الراحة، وليس فقط بسكون الجسم.
كيف تعِيد الراحة ضبط عقولنا؟
يمتلك الدماغ ما يُعرَف "بشبكة الوضع الافتراضي"، وهي شبكة من مناطق الدماغ التي تضيء عندما لا تركّز بصورةٍ نشطة على مهمة ما، وفقًا لما ذكرته مراجعة عام 2023 في دورية "Neuron".
وتنشط تلك الشبكة خلال لحظات التأمل الهادئ، مثل كتابة اليوميات أو مشاهدة السحب تنجرف.
ورغم أنّ هذا يبدو للوهلة الأولى وكأنّه "عدم القيام بأي شيء"، فإنّ شبكة الوضع الافتراضي تعمل بجد لمساعدتك على معالجة المشاعر وتخزين الذكريات وفهْم عالمك الداخلي.
وإنّ تنشيط تلك الشبكة العصبية بانتظام، يمكِن أن يحسّن تنظيم المشاعر ومهارات حلّ المشكلات وحتى الإبداع.
فمثلاً عندما تحدّق من النافذة أو تمشي ببطء دون تشتيت انتباهك، فإنّك تمنح عقلك فرصة لتنظيم الأفكار وإعادة ضبطها.
ولهذا السبب تأتي الأفكار في كثيرٍ من الأحيان في أثناء الاستحمام أو قبل النوم مباشرةً؛ إذ يكون لدى عقلك مساحة أخيرًا للتفكير بحُرية.
كيف يبني الرجل أسلوب حياة أكثر هدوءًا؟
تبدأ الراحة النفسية من عنايتك بذاتك وتلبية احتياجاتك، وفيما يلي بعض النصائح لبناء خطة رعاية ذاتية تعزّز راحتك النفسية:
- حدّد احتياجاتك: جهّز قائمة بالأجزاء المختلفة من حياتك والأنشطة الرئيسة التي تشارِك فيها كل يوم، مثل العمل والعلاقات والأُسرة.
- ارصد مُسبِّبات التوتر: فكّر في الجوانب المتعلّقة بكل نشاط، والتي تسبّب توترك، وفكّر في بعض الطرق التي يمكنك من خلالها معالجة هذا التوتر.
- استراتيجيات العناية الذاتية: فكّر في بعض الأنشطة التي تساعدك على الشعور بتحسّن، مثل قضاء بعض الوقت مع الأصدقاء أو وضع الحدود، لبناء علاقات اجتماعية صحية.
- خطوات صغيرة ثابتة: ليس عليك التعامُل مع كل شيء مرة واحدة، ولكن حدّد خطوة صغيرة تقدر على البدء بها، وتدرّج قدر ما تستطيع.
- خصّص وقتًا للتركيز على احتياجاتك: حتى عندما تشعر أنّه ليس لديك وقت للقيام بشيء آخر، اجعل رعايتك الذاتية أولوية، فعندما تهتمّ بجميع جوانب نفسك، ستجد أنّك قادر على العمل بكفاءةٍ أكبر.
أفكار لاستعادة الراحة النفسية المفقودة
ثمّة عديد من الأنشطة المفيدة لأنواع الراحة المختلفة وليس الراحة النفسية فقط، ولكن من المهم أن تختار ما يناسِبك بدقة.
وعندما تشعر براحة لا مثيل لها، انتبه إلى ما تفعله وأنواع الراحة التي تشعر بها، ولا بأس بتدوين هذا الشيء، ففي النهاية سيكون لديك قائمة مرجعية لكيفية الشعور بالراحة.
وهذه بعض الأفكار التي قد تساعدك على استعادة الراحة النفسية:
- أخذ نزهة صامتة في الطبيعة.
- تجربة الاسترخاء العضلي التدريجي.
- التدرّب على التنفّس في صندوق.
- إذا حصلت على إجازة مدفوعة الأجر، استفِد بها.
- احذف المهام غير الضرورية من جدولك الزمني لبضعة أيام.
- افعل شيئًا واحدًا في كل مرة، ولا تقُم بمهام متعددة على مدار اليوم.
- اسمح لنفسك بالبكاء إن رغبت.
- خُذ قيلولة.
- تعاطف مع ذاتك.
- ابدأ بتدوين مذكّرات الامتنان أو كتابة ما يُسعِدك.
- اقضِ بعض الوقت مستمتعًا بالنجوم.
- أسكِت إشعارات هاتفك لمدة يوم أو أكثر.
- اقضِ يومًا أو ساعة واحدة فقط في صمت.
- احتضِن حيوانًا أليفًا.
- استمتع بوجبة مغذّية دون أي شاشات في الغرفة.
- أعِد ترتيب المساحة الخاصّة بك أو تخلّص من الفوضى في محيطك.
- جرّب البستنة.
الراحة النفسية ليست شيئًا واحدًا، بل هي راحة عاطفية وإبداعية وروحية وغيرها، وفي بعض الأحيان قد نقاوم الرغبة المُلحّة في الراحة لأنّنا نسعى لإنجازات هائلة نخشى أن تفلت من بين أيدينا، ولكن مفتاح النجاح يبدأ من اهتمامك براحتك، فلا ينبغي أن يكون النجاح على حساب راحتك النفسية.
