الانتقاء الطبيعي في العصر الحديث.. كيف تواصل البيئة والغذاء تعديل جينات الإنسان؟
كثيرًا ما يُصوَّر التطور البشري على هيئة قرد رباعي القوائم يتحوّل تدريجيًا إلى إنسان منتصب القامة، غير أن المشهد لا ينتهي هنا، وتكشف الأبحاث الحديثة أن التطور البشري لا يزال ماضيًا في مساره، وتتجلى شواهده في فسيولوجيا الإنسان، من الجلد والعينين وصولاً إلى الدم والأمعاء.
الجهاز الهضمي يكشف أسرار التطور البشري.. كيف غيّرت الأطعمة جينات الإنسان؟
يوفر الجهاز الهضمي للإنسان من أقوى الأمثلة الموثّقة على الانتقاء الطبيعي الحديث، فمنذ نحو 10 آلاف عام بدأ أسلافنا في مناطق مختلفة تدجين الأبقار وسائر حيوانات الماشية وحلبها، فواجه الجهاز الهضمي للبالغين اختبارًا عسيرًا حين اصطدم بمادة اللاكتوز.
امتلك بعض الأسلاف متغيرات جينية أتاحت لهم تحمّل منتجات الألبان دون أعراض، ما أدّى دورًا محوريًا في انتشار الصفة.
وتشير دراسات الخريطة الوراثية في أوروبا وشرق إفريقيا والشرق الأوسط إلى أن هذه المتغيرات انتشرت عبر الانتقاء الطبيعي، حتى بات نحو 30 إلى 35% من البالغين في العالم يهضمون اللاكتوز اليوم.
وفي جبال الأنديز لم يكن اللبن هو المحرّك بل البطاطا، فشعب كيتشوا ذو الأصول الأندية كان من أوائل من زرعوا هذا المحصول، ووجد باحثون أخيرًا أنه يمتلك قدرة على هضم النشا تفوق تقريبًا كل المجموعات البشرية الأخرى.
وقد أوضح عالم الأنثروبولوجيا التطورية عمر جوكتشومن من جامعة بافالو أن "هناك حالات نادرة جدًا تكون فيها الأدلة بهذا القدر من القوة".
كيف تكيّف دم سكان التبت مع المرتفعات الشاهقة؟.. سرّ التطور البشري في نقص الأكسجين
تُظهر التكيفات مع البيئة أثرها في الدم نفسه، فسكان هضبة التبت يعيشون على ارتفاعات شاهقة منذ ما يزيد على 10 آلاف عام، ما أفضى إلى تكيفات جسدية بالغة الأثر.
ورصدت عالمة الأنثروبولوجيا سينثيا بيل من جامعة كايس ويسترن ريزيرف الأمريكية هذه الظاهرة على مدار سنوات، ونشرت هي وفريقها عام 2024 أدلة على أن مجتمعات التبت تمتلك صفات ترفع كفاءة الدم في توصيل الأكسجين.
ووصفت بيل الظاهرة بأنها "نموذج على الانتقاء الطبيعي الجاري"، مشيرةً إلى ارتباطها الوثيق بالإنجاب، فمن بين 417 امرأة نيبالية قضت حياتها على ارتفاعات تزيد على 3,500 متر، أظهرت اللواتي سجّلن أعلى معدلات الولادات الحية خلايا دم حمراء بتشبّع أكسجين مرتفع خصوصًا.
وأضافت بيل أن "الأمر لا يقتصر على أن ارتفاع تشبّع الهيموجلوبين مفيد، بل إن الأعلى يعني الأكثر نفعًا"، مؤكدةً أن عدد الولادات الحية يُقدّم مقياسًا فعليًا للمنفعة التطورية، وهو ما يجعل هذا المثال من أقوى حالات التطور البشري الموثّقة.
لون البشرة يكشف أسرار التطور البشري.. كيف غيّرت أشعة الشمس جينات الإنسان؟
يحمل لون الجلد دلالة تطورية راسخة، فالبشر الأوائل في إفريقيا امتلكوا بشرة داكنة توفر حمايةً من أضرار الأشعة فوق البنفسجية على الحمض النووي، بيد أن الابتعاد عن خط الاستواء أفضى إلى ضغوط انتقائية تُحبّذ البشرة الفاتحة.
وكشفت أضخم قاعدة بيانات للحمض النووي القديم نُشرت هذا العام عن أدلة على انتقاء طبيعي بين سكان غرب أوراسيا، إذ رُصد نحو 500 متغير جيني تبدّل في هذه السلالة خلال 10 آلاف عام الماضية، شملت صفاتٍ كالدهون في الجسم ومرض السيلياك والفصام، لكن الإشارة الأقوى ارتبطت بتصبّغ الجلد.
ورجّح مؤلفو الدراسة أن انتشار متغيرات البشرة الفاتحة "يعكس على الأرجح انتقاءً لصالح تصنيع فيتامين د في مناطق ضعيفة ضوء الشمس لدى مزارعين يفتقرون إليه في غذائهم"، في دليل صريح على أن التطور البشري يستجيب للبيئة والغذاء معًا.
قِصَر النظر والتطور البشري.. هل تمنح الجينات مزايا رغم عيوبها؟
تبدو قصر النظر ظاهرة حديثة بامتياز، إذ ارتفعت معدلاتها حادًا في العقود الماضية، وفي عام 2021 رصد باحثون ضمن قاعدة بيانات UK Biobank أن الحالة مرتبطة بأليلات متغيرة رفعت تواترها خلال 25 عامًا، فيما يُرجَّح أن يكون أثرًا للانتقاء الطبيعي.
وتتمحور الفرضية حول مفهوم "التضاد الجيني متعدد الصفات"، وهي نظرية تقول إن جينات بعينها تمنح مزايا في مراحل الحياة الأولى وإن كانت تُفضي إلى أعراض سلبية لاحقًا، وقد خلص مؤلفو الدراسة إلى أن الانتقاء الطبيعي في المملكة المتحدة وحدها يضيف ما يزيد على 100,000 حالة قصر نظر في كل جيل.
وتكشف هذه الحالات مجتمعةً أن التطور البشري لا يسعى دائمًا إلى تحسين الصحة، إذ يُبقي الانتقاء الطبيعي أحيانًا على جينات نافعة تجرّ خلفها صفات غير محبّذة، وفي ظل عالم متغيّر باستمرار، ستظل الضغوط التطورية تُشكّل البشر جيلاً بعد جيل.
