القبول الجذري.. كيف تتصالح مع ما لا تستطيع تغييره وتتجاوز الأزمات؟
حين نفقد أحد أحبائنا، أو نخسر وظيفة لطالما سعينا إليها، أو عندما تطرأ على حياتنا تغيّرات مفاجئة نقِف عاجزين حيالها، لا يسيطر علينا سوى الحُزن وربّما خيبة الأمل، أو انتظار الأسوأ مستقبلًا.
وكون بعض المواقف يستحيل تغييرها، فإن تقبّل ما حدث قد يساعدك على تخفيف الألم النفسي والحد من معاناتك. وهذا ما يُركِّز عليه مفهوم «القبول الجذري»، فكيف تمارسه عمليًا لتتمكّن من التكيف مع ما تعجز عن تغييره؟ ومتى لا تصلح ممارسة هذا النوع من القبول؟
كيف تُعِيد الأزمات تشكيل نفوسنا؟
لا يعود أي شيء كما كان بعد الأزمات أو الصدمات النفسية التي نتعرّض لها، ومن بين التغيّرات التي تطرأ على الدماغ أن تُعاد برمجة توقعاته، فبعد التعرّض للأذى، يتعلّم العقل أنّ العالم خطير، حتى في المواقف التي تكون فيها آمنًا.
وهذا قد يعني تجنّب الأشخاص أو الأماكن التي تُذكِّرك بالصدمة، أو أن تشعر بالقلق في المواقف التي كانت تبدو هيّنة في السابق، أو تخيّل أسوأ السيناريوهات دائمًا، حسب ما أوردته جمعية القلق والاكتئاب الأمريكية «Anxiety & Depression Association of America».
ما مفهوم القبول الجذري وكيف نشأ؟
يتضمّن القبول الجذري «Radical acceptance» الاعتراف بالمواقف الخارجة عن سيطرتك دون إصدار أحكام، ما يساعد على تقليل المعاناة التي تُسبِّبها، ويمكن ممارسة ذلك من خلال قبول الأشياء كما هي والتعرّف على مشاعرك دون إنكار أو تجنّب، حسب موقع «Verywell mind».
فمن الطبيعي أن تمرّ بمواقف صعبة في الحياة، وبدلًا من أن تشعر بتوترٍ أو ندمٍ، قد تساعدك ممارسة القبول الجذري على تقليل فرص تحوّل هذا الألم إلى معاناة دائمة.
ويُعدّ القبول الجذري جزءًا من العلاج السلوكي الجدلي «DBT»، وهي طريقة علاجية أنشأتها عالِمة النفس الدكتورة «مارشا لينهان» في التسعينيات لعلاج اضطراب الشخصية الحدية، حسب جمعية علم النفس الأمريكية. واليوم يُستخدَم العلاج السلوكي الجدلي على نطاق واسع في علاج الاضطرابات النفسية.
كيف تمارس القبول الجذري؟
يمكن تعلّم ممارسة القبول الجذري من خلال:
- الانتباه إلى ما يُحفِّز مقاومتك، بأن تلاحظ عندما لا تستطيع قبول شيء ما، وحين يبدو الأمر كأنّك تكافح ضد ما يحدث.
- ذكِّر نفسك في هذه اللحظة بأنّه لا يمكنك تغيير الواقع.
- تقبّل عدم السيطرة، وذكِّر نفسك بأنّ أسباب هذا الواقع خارجة عن سيطرتك.
- فكِّر فيما ستفعله إذا تمكّنت من قبول ما حدث (ثُمّ افعل هذه الأشياء كما لو كُنت قد قبِلت ما حدث بالفعل).
- تخيّل كيف ستكون الأمور لو قبلت الوضع.
- استخدم استراتيجيات الاسترخاء، مثل تدوين اليوميات والتأمّل الذاتي لفهم مشاعرك.
- تجنّب إطلاق الأحكام، واسمح لنفسك أن تشعر بمشاعرك بأمان.
- لاحظ كيف يتردد صدى المشاعر في جسدك. هل تشعر بضيق أو ألم أو ما شابه؟
- تقبَّل أنّ الحياة تستحق جهدك حتى عندما تشعر بالألم.
- اتّخذ قرارًا بالتزام ممارسة القبول عندما تشعر بتلك المقاومة النفسية تظهر مرة أخرى.
فهذه الخطوات تساعدك على التوقف عن التفكير فيما كان يمكن أن تؤول إليه الأمور، وأن تعيش أكثر في اللحظة الحالية، وهي بالنهاية مهارة تتحسّن كُلّما مارستها أكثر.
مثال عملي على القبول الجذري
تخيّل أنّك تقود سيارتك إلى عشاء مهم في العطلة مع ابنك، وأنّك عالِق في زحام مروري كثيف. بالطبع قد تمتلئ غضبًا، وربّما تقول في نفسك: «هذا لا يحدث إلّا معي!»، أو ربّما شيئًا على غرار: «لم يكُن ينبغي أن أغادر متأخرًا جدًا»، وهكذا.
ويؤدي هذا بالتبعية إلى الحُكم على أفكارك ومشاعرك وردود أفعالك تجاه الموقف، ومِنْ ثمّ يزداد توترك وانزعاجك. ولكن في موقفٍ كهذا، يمكنك أيضًا أن تتقبّل الموقف الحالي، لتُدرِك أنّه في ظل الظروف الحالية، لا تُوجد طريقة لتغييره.
ومن الطبيعي أن تشعر بالإحباط بسبب أفكارك ومشاعرك، وكيف تُقدِّر الالتزام بالمواعيد، ورفقة عائلتك، لكن هذا لا ينبغي أن يمنعك من أن ترفق بنفسك وتتقبّل الوضع الحالي الخارج عن سيطرتك، وأن تُحاوِل التركيز على كيفية الاستفادة بشكلٍ أفضل من وقتك.
فالقبول الجذري في هذه الحالة يساعد على تحويل التركيز من التفكير غير المُفِيد إلى التفكير في الاستخدام الأفضل لوقتك وطاقتك، حسب ما ذكرته منصّة «Psychology today».
هل يعني القبول الجذري عدم الشعور بالحُزن أو الإحباط؟
ليس بالضرورة؛ إذ من الطبيعي الشعور بالحُزن أو خيبة الأمل، لكن المعاناة قد تطول بسبب عدم قبول ما يحدث، وهو خارج عن سيطرتك.
نعم، يسعك أن تحزن على فقد أحد أفراد الأسرة أو خسارة الوظيفة، لكن بالوقت نفسه، قد تحتاج إلى ممارسة القبول الجذري، لأنّك ببساطة غير قادر على إصلاح أو تغيير ما حدث.
كما أنّ القبول الجذري لا يعني أنّك توافق على ما حدث لك، بل يعطيك فرصة للأمل والنظر إلى الواقع بموضوعية، رغم أنّ ذلك ليس سهلًا.
نموّ ما بعد الصدمة.. حين تتصالح مع واقعك
والقبول الجذري يقودنا إلى مفهوم نموّ ما بعد الصدمة «Post-traumatic growth»، الذي هو تغيير نفسي إيجابي يحدث لدى بعض الأفراد بعد أزمة حياتية أو حدثٍ صادم، حسب «Psychology today».
وقد رُصِدت هذه الظاهرة من قِبل علماء النفس «ريتشارد تيديشي» و«لورانس كالهون» في تسعينيات القرن العشرين، وبناءً على أبحاثهما، وصف الزوجان خمس فئات من النموّ تحدث بمرور الوقت؛ فالناجون من الصدمات يُدرِكون الفرص الجديدة ويستفيدون منها، كما أنّهم يقيمون علاقات أقوى مع أحبائهم ومن نجوا من صدمات مثلهم.
علاوة على ذلك، فإنّهم يُنمّون قوّتهم الداخلية من خلال معرفة أنّهم تغلّبوا على صعوبات هائلة، كما يكتسبون تقديرًا أعمق للحياة، وتتغيّر وتتطوّر علاقتهم بالدين والروحانية.
متى تكون ممارسة القبول الجذري ضارة؟
لكن ليس كلّ حدثٍ صعب تقبّلته كما هو وأكملت مسار حياتك من بعده، سيؤدي إلى نموّ ما بعد الصدمة، فهناك مواقف لا يصلح معها ممارسة القبول الجذري، بل من الحكمة محاولة تغيير الوضع بدلًا من قبول الأمور كما هي، ومن أمثلة ذلك:
- العلاقات المُسيئة أو التعامل مع شخص يعاملك بشكل سيئ.
- التعرّض للمضايقة أو الاستغلال أو عدم التعامل معك بشكلٍ عادل في العمل.
- عدم اتّخاذ أي إجراء عمدًا بسبب الخوف.
- أن يصبح القبول عائقًا أمام تحسين وضعك فعليًا أو الدفاع عن نفسك.
فالقبول الجذري ليس مناسبًا في المواقف التي تكون فيها صحتك الجسدية أو العاطفية أو النفسية مُعرّضة للخطر، بل في مثل تلك الحالات قد يكون القبول عائقًا أمام التغييرات اللازمة.
ختامًا، القبول الجذري مهارة لا غنى عنها لأي إنسانٍ، وهو لا يعني عدم الحُزن أو الإحباط، بل تقبُّل أنّ هناك أمورًا خارجة عن سيطرتك، والتركيز على ما يمكنك فعله حقًا، لعلّ ذلك يقودك لاحقًا إلى الحكمة من وراء الأحداث العصيبة التي مرّت في حياتك.
