الصدمات النفسية: كيف تتجاوزها وتحقق النمو بعدها
لا يكاد يسلَم إنسان من حدثٍ مؤلِم يمرّ به في حياته. وبينما يقع بعض الناس في غياهب الحُزن والقلق والغضب، أو تظلّ الصدمة تطارِد أفكارهم ليلًا ونهارًا، فإنّ هناك من يخرج من الصدمات أقوى مما كان عليه.
وهذا ليس كلامًا إنشائيًا، بل هو معروف باسم "النمو بعد الصدمة"؛ إذ يكتسب المرء تقديرًا أعمق للحياة، وتغيّر الصدمات مشاعره وأفكاره، وربّما تعِيد توجيه نظره إلى معنى حياته وهدفه فيها، فكيف يحدث هذا النموّ ويتخلّل أعماق النفْس؟ والأهم كيف تكتسب هذا النموّ بعد أي حدثٍ مؤلِم يمرّ؟
تأثير الصدمات النفسية
تُضعِف الصدمات النفسية شعور الإنسان بالأمان في العالم، وتغذّي داخله إحساسًا دائمًا بأنّ خطرًا قد يداهمه في أي لحظة؛ سواء نتجت عن حوادث مفاجئة، كحوادث السيارات، أو تجارب مبكرة مؤلمة مثل فقدان الوالدَين في الطفولة، أو التعرّض للعنف الجسدي، أو خسارة غير متوقّعة لشخص عزيز.
وعادةً ما يعِيد الأشخاص استحضار التجربة في أذهانهم مرارًا وتكرارًا ويفكّرون باستمرار فيما حدث، وتؤدي هذه التجربة إلى تغييرات في وظائف المخ تتميّز بفرط الحساسية للتهديدات.
كما قد يُصاب المرء باضطرابات عاطفية، مثل القلق الشديد أو الغضب أو الحُزن أو اضطراب ما بعد الصدمة.
ولكن من ناحية أخرى، فقد يكون للصدمات تأثيرات إيجابية، مثل بناء القدرة على الصمود، وتنمية الشعور بالكفاءة الذاتية، أو بالأحرى ما يُعرَف "بالنمو بعد الصدمة"، واكتساب تقديرٍ أعمق للحياة، حسب "Psychology today".
مفهوم النمو بعد الصدمة
برز مفهوم النموّ بعد الصدمة في أبحاث الدكتور "ريتشارد تيديشي" والدكتور "لورانس كالهون" في عام 1996؛ إذ نشَر "تيديشي" و"كالهون" ورقة بحثية بعنوان "مخزون النمو بعد الصدمة: قياس الإرث الإيجابي للصدمة"، وأوضحا أنّ الشخص الذي تعرّض لأحداث صادمة، قد يشهد تغييرات إيجابية في الجوانب الآتية:
- القوة الشخصية.
- تقدير الحياة.
- العلاقات مع الآخرين.
- إمكانيات جديدة في الحياة.
- التغيير الروحي.
في ورقتهما البحثية، لاحظا أنّ الأشخاص الذين تعرَّضوا لأحداثٍ صادمة هم أكثر عُرضةً للإبلاغ عن تغييرات إيجابية في أنفسهم، مقارنةً بالأشخاص الذين لم يعيشوا أي شيءٍ غير عادي.
كما وجدت دراسة عام 2018 في دورية "Journal of Affective Disorders" أنّ نحو 53% من الأشخاص الذين تعرَّضوا لصدمة من المُرجَّح أن يحقّقوا نموًا بعد الصدمة.
ويشِير مؤلّفو تلك الدراسة إلى أنّ الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 60 عامًا، قد يكونون أكثر عُرضةً لتجربة النموّ بعد الصدمة، مقارنةً بمن تزيد أعمارهم على 60 عامًا.
كيف يحدث النموّ بعد الصدمة؟
لا يحدث النمو بعد الصدمة بين ليلةٍ وضُحاها، وإنّما يحدث عن طريق بعض الآليات:
1. التعلّم
للنموّ بعد الصدمة، قد تجد أنّك بحاجة إلى إعادة التفكير في ظروفك وتحدّي معتقداتك، ويمكِن أن تكون هذه العملية مُربِكة ومُخِيفة في البداية، وقد تتساءَل عمّا يجب أن تفعله، ومع ذلك في نهاية المطاف، ستتعلّم كيفية تطوير عمليات تفكيرٍ جديدة، وتعلّم طرق جديدة للتكيّف.
2. التنظيم العاطفي
يجب أن تكون في الحالة الذهنية الصحيحة للتغيير والتعلّم والنمو بعد الصدمة، وهذا يعني تعلّم كيفية إدارة المشاعر السلبية، مثل الغضب والخوف والمرارة والشعور بالذنب، فضلًا عن ترك الفشل والخسائر خلفك، وهو ما يحدث للوصول إلى النمو بعد الصدمة.
3. الإفصاح
يتضمّن الإفصاح التحدّث عن التجربة المؤلمة والطُرق المختلفة التي أثَّرت بها عليك؛ إذ إنّ وصْف التجربة للآخرين وإخبارهم بما كُنت تعانيه، سواء في الماضي أو الحاضر، يمكِن أن يساعدك على التفكير فيها ومعالَجتها.
4. الخدمة
في أعقاب الصدمة، يتحسَّن أداء العديد من الأشخاص إذا تمكّنوا من مساعدة الآخرين في مجتمعهم. فمثلًا قد يختار الأشخاص مُساعدة الضحايا الآخرين الذين مرّوا بتجربة مماثلة، أو العمل مع المنظّمات التي تتخذ خطوات لمنع الآخرين من التعرّض للصدمة نفسها.
كما يمكِن أن يتخذ ذلك أشكالًا مختلفة، مثل التبرّع بالمال، أو التطوّع بالوقت أو الخبرة، أو ببساطة تبادُل تجارب الفرد ونصائحه لتحسين الوعي بهذه القضية.
5. النموّ السردي
قد يكون من المُفِيد التفكير في كيفية تأثير التجربة المؤلِمة في مسار حياتك وإيصالك إلى المسار الذي تسلُكه الآن. إنّ قصتك الحقيقية واستغلال قوّتها، يمكِن أن يساعدك على العثور على معنى لحياتك ومشاركتها مع الآخرين.
أمثلة على التحول الإيجابي بعد الصدمة
النمو بعد الصدمة أحد تأثيرات الصدمات النفسية الإيجابية، فلا يعود منظور الحياة بعدها كما كان قبلها بالنسبة لمُتلقِّي الصدمة، ومن الفوائد والتحوّلات الإيجابية التي قد يشهدها الشخص، حسب موقع "Verywell mind":
1. تقدير الحياة
غالبًا ما تجعل الأحداث المؤلِمة المرء يخشى على حياته وسلامته، وقد يكون من الصعب النظر إلى العالم بالطريقة نفسها بعد تلك التجربة.
فقد تجد نفسك تلاحظ وتقدِّر الأشياء التي كُنت تعدها أمرًا مفروغًا منه في السابق، كما قد تتغيَّر أولوياتك وتجد مُتعك في الأشياء البسيطة في الحياة.
2. زيادة القوة الشخصية
بعد انتهاء الحدث الصادِم، قد تُفاجأ بمدى قُدرتك على التعامل معه، وهذا الوعي بشجاعتك ومهاراتك ومعرفتك وقدرتك على الصمود وإمكانات النموّ، يمكِن أن يجعلك تشعر بالقوة.
فقد تجد نفسك تشعر بمزيدٍ من الثقة وأنّك أكثر استعدادًا للتعامل مع أي تحدّيات مستقبليّة قد تواجِهك.
3. العلاقات مع الآخرين
إنَّ الدعم الذي تُقدِّمه وتتلقّاه خلال أوقات الأزمات لا يُقدَّر بثمن، وقد تجد أنّ التجربة ساعدتك على تكوين روابط قوية.
وسواء كان ذلك مع الأصدقاء أو أفراد العائلة أو الزملاء أو شخص التقيت به للتو، فإنّ النجاة من الأزمة معًا، يمكِن أن يجعلكما أقرب من أي وقتٍ مضى.
4. إمكانيات جديدة في الحياة
بالتأكيد لا ترى الحياة الآن كما كُنت تراها سابقًا؛ فإذا لم يعُد عملك أو نمط حياتك أو أدوارك قابلة للتطبيق في واقعك الجديد، فقد تُعلِّمك التجربة كيفية التكيّف والابتكار، كما يمكِن أن تمنحك الشجاعة والثقة للاعتقاد بأنّك قادِر على إحداث التغيير المطلوب في حياتك.
5. التغيير الروحي
غالبًا ما تجبِرنا الأحداث المؤلِمة على إعادة النظر في المُعتقدَات، وقد تجد نفسك تُفكّر في معنى الحياة وهدفك فيها.
كيف تحقّق النمو بعد الصدمة؟
لا يحقّق كلّ الناس نموًا بعد الصدمة، وإنّما قد يقع كثيرٌ منهم في حبائل الصدمات، ويستمرّ الانهيار النفسي دون نموٍ يلوح في الأفق، لذلك فيما يلي بعض النصائح التي تساعد على الاستفادة من الصدمات التي قد لا يمكِن تفاديها في بعض الأحيان:
1. مُعالجة الصدمة
اسمح لنفْسك بمعالجة عُمق الصدمة، فلا تهرب من مشاعرك أو تحاوِل قمعها. صحيح أنّ هذه العملية قد تكون مؤلِمة ولكنّها ضرورية حتى تتمكّن من قبول الصدمة وتأثيراتها على حياتك، وإلّا فإنّها ستبقى دون حل.
2. فكِّر في مُعتقداتك
فكّر في كيفية تعزيز التجربة المؤلِمة لمعتقداتك أو تحدّيها، فهذا سيساعدك على إعادة تقييم مُعتقداتك وقِيمك الأساسية وفهْم أولوياتك، وهو نضج مطلوب بعد التعرّض للصدمات.
3. تعرّف على نقاط قوتك
اسمح لنفسك بالتعرّف على نقاط قوتك وقدراتك وشجاعتك ومدى قدرتك على الصمود، وهي الصفات التي ساعدتك على تحمّل التجربة المؤلِمة. ويمكِنك تذكير نفسك بأنّ هذه الصفات ستساعدك على التكيّف مع الواقع الجديد ومواجهة أي تحديّات أخرى تأتي في طريقك.
4. أمهل نفسك بعض الوقت
بالتأكيد يصعب في البداية أن ترى أي جوانب إيجابية للتجربة المؤلِمة، بل سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تتمكّن من مُعالَجة المشاعر السلبية التي تشعر بها، ورؤية أي فوائد في نفسك.
5. اطلب المُساعدة
رغم أنّه من الصعب أن يفهم أحد ما مررت به، فإنّ هناك بعض المُتخصِّصين النفسيين، الذين يمكِنهم المُساعدة، لكن لا تتردّد في طلب المساعدة إن احتجت إليها، فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن صحة الجسد.
النمو بعد الصدمة هو عملية تستغرق قدرًا كبيرًا من الوقت والطاقة، ولكنّها تغيّر نظرتك إلى الحياة، وتجعلك تعِيد النظر في أهدافك، بما يجعلك تنطلق إلى الحياة كأنّما حرّرتك الصدمة من قيود لم تكُن تراها.
