كيف تتعامل مع مشاعر الانزعاج النفسي بعد أحداث حياتية صعبة؟
لم تعُد الأمور على طبيعتها بعد آخر موقفٍ عصيب مرّرت به، ذكريات كثيرة تدور في رأسك، وربّما كوابيس تطاردك كل ليلة، لا تدور إلّا حول الموقف نفسه.
هذه التجربة متكرّرة بين البشر بعد الأحداث الصادمة التي لا تطِيقها نفوسهم، ولكنّها تترك أثرًا يمتدّ لأسابيع أو شهور لاحقة، وقد يعانيها كثيرٌ من الناس دون أن يفكّروا للحظة أنّ هناك مشكلة حقيقية تستدعي الانتباه، لذلك كيف يمكن التعامل مع الانزعاج النفسي بعد أحداث حياتية صعبة؟ ومتى تكون الحاجة الحقيقة إلى استشارة مُختصٍ نفسي؟
ما المقصود بالانزعاج النفسي؟
يُطلَق على الانزعاج النفسي بعد أحداث حياتية صعبة مُصطلح "اضطراب ما بعد الصدمة"، وهو اضطراب نفسي يصِيب الأشخاص بعد تعرّضهم لحدثٍ صادم أو مشاهدته، سواء كان هذا الحدث مُهدِّدًا للحياة أو يشكّل تهديدًا للسلامة الجسدية أو العاطفية أو الروحية، وفقًا لـ"Cleveland Clinic".
أنواع اضطراب ما بعد الصدمة
ينقسم اضطراب ما بعد الصدمة إلى نوعين رئيسَين:
- اضطراب التوتر الحاد: اضطراب قصير الأمد، يمكن أن يحدث خلال الشهر الأول بعد التعرض لحدثٍ صادم، وقد تفي الأعراض التي تستمرّ لأكثر من أربعة أسابيع بمعايير اضطراب ما بعد الصدمة.
- اضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد: تحدث مع الصدمة المزمنة أو طويلة الأمد، مثل العنف المنزلي طويل الأمد أو الحروب أو غيرها، وعادةً ما يعانِي المصاب أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بالإضافة إلى مشكلات واسعة تتعلّق بتنظيم المشاعر والشعور بالذات والعلاقات.
أعراض نفسية شائعة بعد الأحداث الصعبة
يمكِن تقسيم الأعراض التي يمرّ بها الشخص بعد الأحداث الصعبة إلى أربعة أقسام، حسب الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين:
1. اقتحام الذكريات الصادمة
قد تقتحم الذكريات الصادمة أو أحلام مؤلِمة بشأن الحدث الصعب أفكار الشخص، بل قد تكون الذكريات حيّة لدرجة أن يشعر المرء أنّه يعيش التجربة الصعبة من جديد، أو ربّما يراها أمام عينيه، بما يسبّب خوفًا كبيرًا له.
وربّما تحدث هذه الذكريات أو الكوابيس بسبب شيءٍ طارئ جعل الشخص يسترجع الحدث المؤلِم، أو ربّّما لا يكون هناك شيء طرأ، ولكن لا تزال الذكريات الصادمة تحاصِر عقل الشخص.
2. التجنّب
قد يميل الشخص أيضًا إلى تجنّب ما يذكّره بالحدث المؤلِم، سواء كان ذلك متمثلًا في الأشخاص أو الأماكن أو الأنشطة أو المواقف التي تثِير تلك الذكريات في داخله.
كما قد يقاوِم المرء الحديث عمّا حدث أو التعبير عمّا يشعر به حيال ذلك، وفي كثيرٍ من الأحيان، قد تؤدّي هذه السلوكات إلى خللٍ في الحياة اليومية للإنسان.
3. تغيّرات في الإدراك والمزاج
قد يعاني الأفراد المصابون باضطراب ما بعد الصدمة أعراض الاكتئاب في البداية، مثل الشعور بالحُزن وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانوا يستمتعون بها.
ولكن علاوة على ذلك، قد يُعانُون أيضًا مشكلات في الذاكرة، تتمثّل أحيانًا في عدم القدرة على تذكّر جوانب مهمة من الحدث المؤلِم.
وربّما يكونون قادرين على تذكّر جوانب مهمة من الحدث المؤلِم، ولكن لديهم أفكار ومشاعر سلبية تؤدّي إلى معتقدَات مستمرّة ومشوّهة حول أنفسهم أو الآخرين، مثل "لا يمكِن الوثوق بأحد".
كما قد يكون لديهم أفكار مشوهّة حول سبب أو عواقب الحدث المؤلِم، ما يؤدِّي إلى إلقاء اللوم على الذات أو الآخرين بشكلٍ خاطئ.
أمّا المزاج فبالتأكيد ليس في أفضل حال؛ إذ يعيشون حالة خوفٍ مستمر ورعب وغضب، وربّما إحساس بالذنب أو الخجل، وكذلك الشعور بالانفصال أو الاغتراب عن الآخرين، بالإضافة إلى العجز عن تجربة المشاعر الإيجابية، مثل السعادة أو الرضا.
4. تغيّرات في الاستثارة وردود الفعل
قد يجد المصابون باضطراب ما بعد الصدمة أنّهم سريعو الانفعال ويعانُون نوبات غضب، أو يتصرّفون بتهوّر أو طريقة مدمّرة للذات.
كذلك قد يكون لديهم يقظة مفرطة وحذر مرتفع تجاه محيطهم، كما قد يعانُون مشكلات في التركيز أو النوم، وكلّ ذلك لا شكّ يؤثِّر في جودة حياتهم اليومية.
أمثلة على أحداث حياتية تسبب اضطرابًا نفسيًا
ليست كلّ أحداث الحياة متماثلة، ولكن بعضها قد يزيد احتمالية الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، مثل:
- أن تكون في وظيفة تعرّضك لمواقف تهدّد حياتك.
- التعرّض لإصابة في أثناء حدثٍ ما.
- التعرّض لحادث سيارة.
- التعرّض للإيذاء أو المضايقة أو التنمّر.
- رؤية أشخاص آخرين يتأذّون أو في محنة.
- النجاة من كارثة، مثل الفيضانات أو الزلازل أو الأوبئة.
- استمرار الحدث المؤلِم لفترةٍ طويلة أو أن يكون مكثّفًا.
- ليس لديك عائلة أو أصدقاء مقرّبون لدعمك.
كيف تتعامل مع مشاعرك بعد الصدمة؟
لا يأتي اضطراب ما بعد الصدمة منفردًا، بل إذا تركت مشاعرك فريسة له، فقد تكون معرّضًا للإصابة باضطرابات نفسية أخرى، مثل القلق، أو الاكتئاب أو اضطرابات الأكل.
فيما يلي خريطة عمل لاحتواء مشاعرك بعد الصدمة والتأقلم مع الواقع الحاليّ:
1. تثقيف نفسك بشأن الاضطراب
غالبًا ما يعاني المصابون باضطراب ما بعد الصدمة عزلة تجعل تواصلهم مع الآخرين صعبًا، كما قد لا يدركون حتى أنّهم يعانون اضطراب ما بعد الصدمة حتى تصبِح الأعراض لا تُطاق تقريبًا.
لذلك يجب أن تثقّف نفسك بشأن هذا الاضطراب، وأن تبحث عن أشخاص موثوق بهم للتواصل معهم، ودعمك خلال رحلة تعافيك، كما أنّك لو فهمت الاضطراب جيدًا، ستتمكّن من شرح ما يحدث لك بأوضح ما يمكِن، وطلب ما تحتاج إليه بدقّة.
2. تدوين المذكّرات
يجد بعض الأشخاص أنّه من المرِيح تدوين أفكارهم، كما يكون لديهم مكان ثابت للعودة إليه لكتابة تجاربهم ومعالَجتها.
وقد أظهر بحث قديم عام 2002 في دورية "Annals of Behavioral Medicine" أنّ الأشخاص الذين يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، قد يجدون فوائد في الاحتفاظ بمذكّرات، بما في ذلك تقليل ذكريات الماضي والكوابيس والذكريات المزعجة، ما يساعدهم على إعادة التواصل ببطء بالأشخاص والأماكن التي كانوا يرغبون في تجنّبها.
3. تجنّب المحفّزات
إذا كُنت تعاني اضطراب ما بعد الصدمة، فمن السهل أن تشعر بالقلق أو الخوف، وقد تبذل كل ما بوسعك لتجنّب الأشخاص والأماكن والأشياء، التي قد تُذكّرك بتجربتك المؤلِمة.
وهناك الكثير من المحفّزات الداخلية والخارجية التي قد تزيد الأعراض، والتي ينبغي تجنّبها قدر الإمكان. فمن أمثلة المحفّزات الداخلية:
- الشعور بالوحدة.
- الغضب.
- الحُزن.
- الشعور بالضعف.
- الألم الجسدي.
أمّا المحفزات الخارجية، فمن أمثلتها:
- البرامج الإخبارية.
- بعض الروائح.
- ذكرى سنوية مُعيّنة.
- العطلات.
- الأماكن التي تذكّرك بالحدث.
- بعض الناس.
ورغم أنّه من المفهوم رغبتك في تجنّب المحفّزات، فمن الضروري أن تتذكّر أنّه اعتمادًا على الصدمة التي تعرّضت لها، قد لا تكون قادرًا على تجنّب كل ما يمكِن أن يكون محفّزًا.
4. ممارسة الرياضة
إنّ قضاء بعض الوقت في الاستمتاع بالهواء الطلق، والحصول على بعض الهواء النقي في أثناء ممارسة الرياضة، قد يكون مفيدًا في تنظيم الحالة المزاجية والعواطف.
وقد دلّت الأبحاث على أنّ التمارين البدنية تساعد أدمغتنا على التعامل مع التوتر بشكلٍ أفضل، بل يشِير علماء النفس إلى أنّ المشي لمدة 10 دقائق فقط يوميًا، يمكِن أن يفيد حالتنا المزاجية ويساعد على تخفيف القلق والاكتئاب. وفيما يلي بعض الأمور التي ينبغي وضعها في الحسبان عند البدء:
- ابحث عن نشاطٍ بدني تستمتع به.
- حدّد أهدافًا صغيرة.
- اطلب من صديقٍ أن ينضمّ إليك.
- كُن صبورًا مع نفسك.
- اشرب الكثير من السوائل.
- تأكّد من ارتداء ملابس مناسِبة للطقس.
متى تحتاج إلى دعم نفسي متخصص؟
أحيانًا ينبغي البحث عن دعمٍ نفسي متخصص، لتجاوز الانزعاج النفسي بعد الأحداث الحياتية الصعبة، لذلك يجب استشارة طبيب نفسي إذا كان لديك أفكار ومشاعر مزعجة بشأن الحدث الصعب لأكثر من شهر، خصوصًا إذا كانت شديدة، أو إذا كُنت تواجه صعوبة في استعادة السيطرة على حياتك، فالحصول على العلاج المناسب في أقرب وقت، يمنع تفاقُم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
