الجينات أم نمط الحياة.. من يحدد طول عمرك؟
كما نرِث من آبائنا ملامحهم وصفاتهم، فكذلك قد نرِث منهم العُمر المُتوقّع، فالجينات حامِلة لكثيرٍ من الأسرار، وربّما تؤثِّر في العُمر المُتوقّع بنسبة تصل إلى 55%، بل ثمّة جينات مرتبطة بإطالة العُمر، وأخرى قد تجعلك أكثر عُرضةً للأمراض.
ولكن هل يعني ذلك أنّ العُمر مرتبِط مسبقًا بالجينات وحدها؟ وماذا عن نمط حياتك وجودة نومك، بل ماذا عن البيئة من حولك؟ هل يغلب كلّ ذلك تأثير الجينات أم أنّ للجينات الكلمة الأخيرة؟
إلى أي مدى تؤثّر الجينات في طول العُمر؟
يراوح تأثير الجينات أو العوامل الوراثية في طول العُمر بين 15 - 33%، حسب الدراسات التي أُجريت على مدى العقدين أو الثلاثة عقود الماضية، المنشورة في دورية "Journals of Gerontology" أعوام 1998 و2011.
لكن أشارت دراسة أحدث عام 2026 في دورية "Science" إلى أنّ هذه التقديرات قد لا تكون دقيقة، وأنّ تأثير الجينات في طول العُمر قد يكون أعلى من ذلك بكثير بنسبة قد تصل إلى 50 - 55% في العُمر المُتوقّع.
ولكن ما جعل هذا الرقم يصعد بتلك الصورة أنّ الدراسات السابقة اعتمدت بدرجةٍ كبيرة على بيانات أشخاصٍ وُلِدوا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما كانت الوفيات ناجمة عن أسباب لا علاقة لها بالشيخوخة الطبيعية (كالعدوى والحوادث والكوارث الطبيعية)، والتي كانت أكثر شيوعًا بعشر مرات مما هي عليه اليوم.
ما الجينات التي تدعم إطالة العُمر؟
كذلك هناك جينات إذا وُجِدت معًا، فقد تُسهِم في إطالة العُمر، ولكن تأثيرها وحدها يظلّ متواضعًا؛ إذ يتحدّد طول العُمر أيضًا بنمط الحياة والبيئة.
ومع ذلك، فقد يرِث بعض الناس بعض المتغيرات الجينية النادرة، التي قد تُطِيل أعمارهم، ومن أمثلة هذه المتغيرات الجينية التي أظهرتها أبحاث أُجريت على مُعمِّرين عاشوا 100 عام أو أكثر:
- متغيّر الجين APOE2: يُنظِّم هذا الجين نقل الكوليسترول، ويُوجَد بكثرة لدى من يعيشون لفترات طويلة، وقد يوفّر فوائد وقائية للأعصاب والقلب والأوعية الدموية.
- جين FOXO3A: يرتبط هذا الجين أيضًا بإطالة العُمر، فهو يُنظّم استجابات التوتر الخلوي، وإصلاح الحمض النووي، وإشارات الإنسولين، وقد عُثِر على هذا الجين في مجموعات سُكّانية عاشت طويلًا حول العالم، ومن الراجح أن يكون ذلك بسبب مساعدة الجين للخلايا على تحمّل التوتر الذي قد يُفضِي إلى تدهورها.
- جين CETP: يرتبط بجزيئات الكوليسترول الأكبر حجمًا والأكثر صحة، ما يساعد على الحماية من شيخوخة الأوعية الدموية.
هل هناك جينات تنقص العُمر؟
نعم، قد تُسهِم بعض الجينات في زيادة خطر الإصابة بأمراض خطرة في وقت مبكّر من العُمر، ما قد يخفض العُمر المُتوقّع، ومن أمثلة تلك الجينات، حسب "Everyday Health":
- متغيّر الجين APOE4: يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر وأمراض القلب.
- طفرات جينات BRCA1 وBRCA2: تُضعِف قدرة الخلايا على إصلاح الحمض النووي، ما يزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي العدواني وكذلك سرطان المبيض لدى السيدات؛ غالبًا في عُمر أصغر من المُتوقّع.
- فرط كوليسترول الدم العائلي: ليس جينًا، ولكن مشكلة وراثية تحول دون قدرة الجسم على تصفية الكوليسترول الضار، ما قد يرفع مستوياته بدرجة خطرة منذ الولادة، وربّما المعاناة من نوبات قلبية لأشخاص لم تتجاوز أعمارهم العشرين أو الثلاثين.
نمط حياتك.. هل هو المُحدِّد الأكبر لطول العُمر؟
رغم الأثر الواضح للجينات على العُمر المُتوقّع، فإنّ نمط حياتك وسلوكاتك اليومية لها نصيب لا يمكن الاستهانة به في تشكيل العُمر المُتوقّع أيضًا، كما يتضح فيما يأتي:
1. نظامك الغذائي: سلاح لك أو عليك
ترتبط الأنظمة الغذائية المتوازنة، التي تحتوي على الفواكه والخضراوات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة والدهون الصحية، بانخفاض خطر الإصابة بالأمراض، وربّما عيش حياةٍ أطول، حسب دراسة عام 2023 في دورية "JAMA Internal Medicine".
فهذه الأطعمة تحديدًا تمدّك بمضادات الأكسدة والفيتامينات والمعادن التي تحمي خلاياك من التلف، كما تدعم صحة قلبك، وتُسهِم في ضبط مستويات السكر في الدم.
أمّا الأطعمة التي قد تضرّ صحتك، وربّما تؤثّر في العُمر، فهي الأطعمة المُصنّعة، والسكريات المضافة والدهون غير الصحيّة؛ إذ قد تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب ومرض السكري من النوع الثاني، وبعض أنواع السرطان، وهذه الأمراض هي الأسباب الرئيسة للوفاة المبكّرة.
2. التمارين الرياضية تطِيل العُمر
أمّا الرياضة فبالتأكيد تُشكّل ركنًا أساسيًا في تحديد العُمر المتوقّع، فالنشاط البدني المنتظِم يدعم كلّ أنظمة جسمك تقريبًا؛ إذ يصير قلبك أقوى وأكفأ، ويتحسّن التمثيل الغذائي، كما تظلّ عضلاتك نشطة، بل تُساعِد التمارين الرياضية أيضًا على ضبط الوزن وخفض ضغط الدم وتقليل الالتهاب، حسب دراسة عام 2022 في دورية "Circulation".
وليس بالضرورة أن تمارِس تمارين مكثّفة لتحصد تلك الفوائد، بل حتى التمارين البسيطة، كالمشي أو ركوب الدراجات أو رفع الأوزان الخفيفة، فالأهمّ هو الالتزام.
3. ماذا عن جودة نومك؟
يحتاج أي بالِغ إلى النوم 7 - 9 ساعات كل ليلة، وإذا نام أقل من ذلك بصورةٍ منتظمة، فقد يُصبِح أكثر عرضةً لمشكلات صحية خطيرة؛ إذ ترتبط قلّة النوم بأمراض القلب والسمنة والاكتئاب حتى مشكلات الذاكرة.
أيضًا قد تٌشعِل قلة النوم شهيتك تجاه الأطعمة غير الصحيّة، أو ربّما لا تكون نشيطًا بما يكفي لممارسة التمارين الرياضية، كما أنّ النوم ضروري ليُصلِح الجسم نفسه، ويتقوّى جهازك المناعي، لذا حاوِل أن تنام جيدًا كلّ ليلة قدر الإمكان.
4. بين التوتر وراحة البال
نعم التوتر جزء طبيعي في الحياة، ولكن إذا طال أمده وبات توترًا مزمنًا، فقد يضرّ صحتك؛ إذ يفرِز جسمك هرمونات قد تُشعِل الالتهابات في شتّى أنحاء الجسم، وبمرور الوقت قد يؤدي ذلك إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب وضعف المناعة، كما قد يؤثّر في جودة نومك التي تعاني في رفعها.
لذا حاوِل أن تجد طرقًا للتعامل مع توترك، مثل التنفس العميق، أو التحدث مع أحبابك أو قضاء بعض الوقت في الهواء الطلق، أو ممارسة الرياضة.
هل تحدّد البيئة من حولك العُمر المُتوقّع؟
نعم، فليست الجينات وحدها ولا نمط الحياة هي المُؤثِّرات الوحيدة في إطالة العُمر، بل كذلك بيئتك، بما تتضمّنه من جودة الهواء، ومدى سلامة الأحياء التي تسكنها، والقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، والدخل المادّي، فكلّها عوامل يمكِن أن تؤثِّر في صحتك، ومِنْ ثمّ العُمر المتوقّع أيضًا.
هل يمكِن أن يؤثّر نمط حياتك وبيئتك في مصيرك الجيني؟
ثمّة ما يُعرَف "بعِلم التخلّق" أو Epigenetics؛ المعنيّ بتوضيح تأثير سلوكاتنا وبيئتنا في كيفية عمل الجينات؛ إذ يمكِن لعاداتك اليومية أن تُنشّط جينات مُعيّنة أو توقِف نشاطها.
فمثلًا قد يكون لدى شخص ما استعداد وراثي أعلى للإصابة بأمراض القلب، ولكن من خلال تناول الطعام الصحيّ، والحفاظ على النشاط البدني، والعمل مع طبيب مُختصّ، فإنّ ذلك قد يقلّل خطر إصابته بأمراض القلب.
كيف يمكن تعويض الاستعداد الوراثي بنمط حياة صحي؟
حتى لو كُنت تمتلك كلّ الجينات التي قد تقلّل العُمر، فلا يزال الحفاظ على نمط حياةٍ صحي هو الخيار الأفضل للعيش أطول أمدٍ ممكن، لذا يُوصَى بالآتي:
- الإكثار من تناول الأطعمة النباتية وتقليل تناول الأطعمة فائقة المُعالجة.
- الحركة بانتظام، والتركيز على الالتزام طويل الأمد، بدلًا من ممارسة تمارين مكثّفة، ثُمّ القعود عنها لاحقًا.
- وضع روتين يومي للنوم وفق مواعيد منتظمة.
- تجنّب التوتر قدر الإمكان، بالعلاقات الداعمة، أو التنزّه، أو تقنيات الاسترخاء.
- تعزيز الصداقات والتواصل الاجتماعي مع الآخرين.
- التعرّف إلى التاريخ العائلي الخاصّ بك، واتّباع إرشادات الفحص الوقائية المناسِبة، حسب الأمراض التي قد تحمل استعدادًا وراثيًا للإصابة بها.
ختامًا، قد تكون الجينات مؤثِّرًا لا يُستهان به في طول العمر بنسبة قد تبلغ أكثر من 50%، لكن ذلك لا يعني أنّها المُؤثِّر الوحِيد، بل ربّما يكون نمط الحياة الصحيّ وسيلة لعيش أطول وقتٍ ممكن، مهما كان رأي جيناتك.
