محطتان تتسارع فيهما الشيخوخة.. ما هما وكيف تبطئها؟
عندما تقف أمام المرآة بعد أن بلغت الأربعين لا ترى نفس الوجه ولا الجسم الذي كُنت عليه في العشرينيات من عُمرك، ولا ذات الوجه والجسم بحلول الستين، وقد تظنّ أنّ تأثير الزمن يكون تدريجيًا يومًا وراء يوم، وعامًا تلو الآخر.
وهذا صحيح جزئيًا، ولكن تسارع الشيخوخة يحدث بالفعل في محطات مُعيّنة من العُمر. وبالتأكيد لا يمكِن إيقاف مسيرة العمر عند تلك المحطات، ولكن بوسعك إبطاء تلك المسيرة والحفاظ على شبابك بقدر ما. لكن أولًا ما هي تلك المحطات كي تكون أكثر حرصًا عندما تمرّ بها؟ وثانيًا كيف تتعامل معها بنصائح مُخصّصة لتلك المراحل العُمرية؟
ما الفرق بين العمر البيولوجي والعُمر الزمني؟
كل من العُمر البيولوجي والزمني طريقتان لقياس الشيخوخة، وأثر مرور الزمن على أجسامنا، فالعُمر الزمني يحدّد عدد السنوات التي قضاها المرء على قيد الحياة، وهو ما نعتمد عليه في الاحتفال بأعياد الميلاد، وكلّ شخص يُولَد في نفس العام، يمتلك نفس العُمر الزمني لأقرانه؛ بغض النظر عن مظهره هل ما زال محتفظًا ببعض شبابه أم بدأت الشيخوخة تتسلّل إلى ملامحه.
أمّا العُمر البيولوجي، فليس بالضرورة أن يتحد فيه الناس، بل هو ما يعكس اختلاف عملية الشيخوخة بين الأفراد.
فالعُمر البيولوجي مرآة لكيفية تقدّم الشخص في العُمر؛ استنادًا إلى عديد من العوامل والعلامات الحيوية المختلفة، التي ترصد ما يحدث على مستوى الخلايا أو الجسم.
المؤشرت التي ترصد العُمر البيولوجي
ليس هناك مؤشر حيوي أو اختبار واحد يرصد العُمر البيولوجي، بل عادةً ما يستند ذلك إلى عدد من المؤشرات الحيوية المختلفة، مثل:
- تقييم الدم.
- المؤشرات الحيوية السريرية، مثل معدل ضربات القلب وضغط الدم.
- تخطيط كهربية القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
- دراسة بعض الخلايا التالفة؛ التي تُسمّى أيضًا "الخلايا المُسنّة".
كيف تحدث الشيخوخة؟.. حين يلتهم الوقت خلاياك
قد نرى تسلّل علامات الشيخوخة إلى ملامحنا عندما نقف أمام المرآة، كما قد تتباطأ حركتنا بعض الشيء كُلّما مضى بنا قطار العُمر.
ولكن مع تقدّم الخلايا ذاتها في العُمر، فإنّها تبلغ في النهاية مرحلة الشيخوخة؛ والتي فيها تفقد قدرتها على تجديد وإصلاح نفسها، وإذا دخلت عوامل بيئية على الخطّ، مثل التوتر أو الجينات أو التاريخ العائلي، فهذا قد يعجّل بشيخوخة الخلايا.
قصر التيلوميرات.. عندما يخصم شبابك من شيخوختك
ثمّة كروموسومات موجودة في خلاياك؛ تحمل الحمض النووي الخاصّ بك، أمّا التيلوميرات فهي مجموعة من الجزيئات في نهايات تلك الكروموسومات؛ تحميها من التدهور.
وفي كل مرة تنقسم فيها خلاياك للإصلاح والتجدد الطبيعي -وهو ما يحدث طوال الوقت- تصبح التيلوميرات أقصر، ما يعني أنّها تصبِح أقصر مع تقدّم العُمر.
بل هناك أشخاص يعانون متلازمة التيلومير القصير، ولديهم طفرات جينية يمكن أن تؤدي إلى شيخوخة سريعة بسبب قصر التيلوميرات.
ميثلة الحمض النووي والتحكّم في الجينات
تُقدّر عدد الجينات التي يحملها المرء بنحو 30 ألف جين؛ تحمل التعليمات اللازمة لصُنع البروتينات التي يتكوّن منها جسمك، وتؤدّي جميع وظائفه.
وعندما تتكاثر خلاياك أو تُصلِح ذاتها، يمكِن أن تحدث عملية ميثلة الحمض النووي، وهي لا تؤدي إلى تغيير أو إحداث طفرة في جيناتك، بل تغيّر طريقة التعبير عن الجينات؛ بمعنى أنّها قادرة على تشغيل جيناتك أو إيقافها.
ويُعدّ فحص ميثلة الحمض النووي جزءًا من دراسة كيفية التقدّم في العُمر؛ إذ ثمّة عوامل خارجية لها دور في كيفية تقدّمك في العُمر، بما في ذلك نمط الحياة والتوتر والرعاية الصحية التي تتلقّاها، ولذا فقد يكون فحص ميثلة الحمض النووي أيضًا مؤشرًا دقيقًا لعُمرك البيولوجي.
فالمصاب بمرض السكري أو المدخّن سيكون لديه نمط ميثلة الحمض النووي مختلف تمامًا عن الشخص الذي لا يعاني أيًا من الأمرين.
تسارع الشيخوخة: هل يحدث بسببك؟
في الدراسة المنشورة عام 2024 في دورية "Nature Aging"، حلّل الباحثون خلايا 108 أشخاص تراوح أعمارهم بين 25 و75 عامًا، كما تعمّقوا في فحص ميكروبيوم المشاركين، والذي له دور في حِفظ الصحة.
وتابعوا معظم المشاركين لمدة 1.7 سنة تقريبًا، رغم أنّ الحد الأقصى للمتابعة كان 6.8 سنة.
ووجد الباحثون أنّ جزيئات وميكروبات معظم المشاركين تتقدّم في العُمر في شكل دفعات أو طفرات، واكتشفوا، تحديدًا، أنّ معظم المشاركين مرّوا بفترتين من الشيخوخة السريعة؛ عند سن 44 عامًا وسن 60 عامًا.
كذلك حلّلت دراسة أخرى عام 2025 في دورية "Cell" عيّنات الدم والأنسجة من 76 متبرعًا بالأعضاء تراوح أعمارهم بين 14 و68 عامًا عند وفاتهم، وحلّل الباحثون كيفية تغيّر مستويات البروتينات مع تقدّم العُمر.
والفكرة هي أنّ المستويات المنخفضة من البروتينات تشير إلى أنّ الخلايا لم تتجدّد كما كانت عندما كان الناس أصغر سنًا.
أمّا النتائج، فقد تبيّن للباحثين أنّ أكبر التغيّرات في الشيخوخة حدثت بين سن 45 و55 عامًا؛ إذ شهدت معظم الأنسجة تغيّرات كبيرة، وكان ذلك أشدّ وضوحًا في الشريان الأورطي وكذلك البنكرياس والطحال.
إذًا لماذا تسارعت الشيخوخة؟
ثمّة أمور قد تجعل الشيب والضعف يظهران في وقت أبكر من المُعتاد، وهذه الأمور قد تضمّ حسب "Harvard Health":
- تلوّث الهواء والملوّثات الصناعية.
- العمل بنظام المناوبات، الذي يربِك إيقاع الساعة البيولوجية لديك.
- التعرّض المفرط للإشعاع.
- التعرّض للضوء الساطع أو الموسيقى الصاخبة؛ إذ يزيد كل منهما هرمونات التوتر، وربّما يكون القلب والأوعية الدموية تحت طائلة التوتر.
- الوحدة والعزلة الاجتماعية؛ إذ إن أخطارها الصحية مماثلة للتدخين، ومِنْ ثمّ فإنّ التفاعل الاجتماعي مهم جدًا للعيش الصحي.
- اختلال توازن الأمعاء، خصوصًا أنّ الميكروبيوم هُناك أو البكتيريا النافعة، لها دور في الحد من الالتهابات ودعم المناعة، وإذا اختلّ هذا التوازن بسبب الأطعمة فائقة المعالجة، فقد تزداد الالتهابات في الجسم، ما قد يعجّل بالشيخوخة.
- حميات اليويو، أو الدورات المتكررة من زيادة الوزن وفقدانه -ربّما بسبب اتباع أنظمة غذائية للتخسيس ثُمّ الانقطاع والعودة إلى تناول الأطعمة التي تزيد الوزن- قد تؤدي إلى تغيّرات سريعة في الخلايا أو بيئتها، ويمكِن أن يُسهِم ذلك في تسريع التغيّرات الجينية.
هل لنمط حياتك دور في تسارُع الشيخوخة؟
لا تعني الدراسات السابقة أنّ تسارُع الشيخوخة حتمي في تلك المراحل، وإنّما قد يكون لنمط حياتك دور في هذا الأمر.
فقد أظهرت دراسة عام 2024 في دورية "JAMA Network Open" أنّ انخفاض التعليم وكذلك الدخل، والسمنة، وقلة ممارسة الرياضة ، والتدخين، كلّها مرتبطة بشيخوخة أسرع.
بل لاحظت الدراسة تحولات في عوامل خطر الإصابة بمشكلات القلب والدماغ بدأت في سن 19 عامًا، ما يعني أنّ الأوان لم يفُت بعد لإبطاء وتيرة الشيخوخة.
كيف تبطئ عملية الشيخوخة؟
لا ينبغي أن يصِيبك الذعر إذا علمت أنّ الشيخوخة قد تتسارع في منتصف الأربعينات أو بحلول الستين من العُمر، ولكن هذه فُرصة للحفاظ على شبابك لأطول مُدّة ممكنة والاستعداد لهذه المراحل على أتمّ وجه، وفيما يلي بعض النصائح المُعِينة لك على ذلك:
نصائح قبل الأربعين
أظهرت دراسة عام 2024 في مجلة جمعية القلب الأمريكية "AHA" أنّ الأشخاص الحاصلين على درجات جيدة في معيار "8 AHA's Life Essential"، كان لديهم شيخوخة بيولوجية أبطأ مقارنةً بغيرهم.
وهذا المعيار يولِي عناية للنظام الغذائي الصحي والنشاط البدني والتعرّض للنيكوتين وصحة النوم ومؤشر كتلة الجسم والكوليسترول والدهون الثلاثية وسكر الدم وضغط الدم.
بناءً على هذا المعيار إليك النصائح التي تساعد على إبطاء الشيخوخة قبل الأربعين:
- تقليل السعرات الحرارية: فهذا قد يحمي صحتك والحمض النووي من التغيرات المرتبطة بالعُمر، كما أفادت بعض الدراسات أنّ الأشخاص الذين خفضوا السعرات الحرارية بنسبة 12%، أبطؤوا معدّل الشيخوخة لديهم بنسبة 2 - 3%، ولكن استشِر اختصاصي التغذية لمعرفة أنسب كمية لخصمها من سُعراتك الحرارية.
- نَم جيدًا: تدنّي جودة نومك من العوامل التي قد تُسهِم في الشيخوخة؛ إذ بيّنت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أنّ النوم أقل من 6 ساعات في الليلة يضِيف نحو 15 شهرًا إلى عُمرك البيولوجي ويسرّع وتيرة الشيخوخة أيضًا، لذا حاول أن تنام في نفس التوقيت كل ليلة في غرفة هادئة مظلمة، وتجنّب الكافيين والنظر إلى شاشة الهاتف كُلّما اقترب موعد نومك.
- تحرّك كُلّما أمكن: أشارت دراسة عام 2023 في دورية "Aging Cell" إلى أنّ الأشخاص الذين سجّلوا 11,247 خطوة يوميًا تقدّموا في السن بمُعدّل أبطأ ممن كانت حركتهم أقل.
نصائح قبل الستين
لعلّك حافظت على ما أمكن من شبابك إلى أن وصلت هذه المرحلة، ولكن لا يزال أمامك بعض الجهد المطلوب لإبطاء الشيخوخة قدر الإمكان:
- لا تتخلّ عن تدريبات القوة: يزداد فقدان العضلات مع تقدّم العُمر، ما يُضعِف القدرة على الحركة، ويترك أثرًا على الصحة، وقد تساعد تدريبات القوة على الحفاظ على كتلة العضلات أو عكس فقدان العضلات المرتبط بتقدّم العُمر.
- عزّز مناعتك بكلّ ما يمكن: تزداد الأمراض مع تقدّم العُمر وضعف المناعة بين السرطان وأمراض القلب وغيرهما، لذا إذا كان متاحًا لك الحصول على لقاح تحتاج إليه في هذا السن، فافعل، لأنّ جهاز المناعة لا يكون بنفس حالته عندما كُنت شابًا، مثل لقاحات الإنفلونزا واللقاحات الوقائية الأخرى.
- حافظ على ترطيبك: بشُرب كثيرٍ من الماء، فهو يساعد الكليتين على تصفية الفضلات من الدم، كما أنّ ذلك قد يدعم الوقاية من انخفاض وظائف الكلى في سن الستين تقريبًا.
ختامًا، هناك فرق بين العُمر البيولوجي والعُمر الزمني، وقد تتسارع الشيخوخة لدينا في سن 44 عامًا ومرة أخرى في سن 60 عامًا، ولنمط حياتك من تغذية ونشاط بدني وعادات أخرى دور في تسريع الشيخوخة أو إبطاء وتيرتها، فالأمر ليس وراثيًا فحسب، بل ربّما يكون الحفاظ على شبابك بين يديك حتى الآن.
