وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: دفاعاً عن عيوب الإنسان
كولومبية جنت ثروة واشترت منازل من بيع المعلومات والأخبار. يعني بكلام آخر، حولت النميمة إلى مشروع اقتصادي ناجح. خبر انتشر عبر العالم في الفترة الأخيرة، ليطرح كثيرون السؤال الصعب: لماذا قد يدفع الناس المال مقابل أخبار ونميمة؟
الجواب ربما أن هذه الآفة من أكثر ما يجعلنا بشراً، في طبيعة لا تعرف النميمة. لعل الإنسان كان أول من اكتشف أنه يمكن أن تقتل خصمك أو تؤذيه، دون أن تمارس أي عنف تجاهه. كلمة تكفي أحياناً. قصة تُروى في المكان الصحيح، لشخص واحد فقط، قد تكون عملية اغتيال مكتملة.
وقد تكون النميمة من الصفات الأصيلة للبشرية. في كتابه "Sapiens"، يذهب يوفال نوح هراري إلى أن النميمة أدت دوراً أساسياً في تطور قدرتنا على التعاون. فالإنسان لم يكن يحتاج فقط إلى معرفة أين يوجد الأسد، بل أيضاً إلى معرفة من يكره من، ومن يمكن الوثوق به، ومن يكذب، والأهم: من على علاقة مع من؟
ولاحظ الكاتب في مفارقة جميلة، أن كبار علماء الفيزياء إذا اجتمعوا في مؤتمر، فلن يقضوا استراحة الغداء في مناقشة الفيزياء الكمية، بل سيتحدثون عن الأستاذ الذي حصل على المنصب، والباحث الذي لم يستحق الجائزة، ومن قال ماذا عن مَن.
ببساطة.. كبار عقول البشرية سيمارسون النميمة. لكن النميمة ليست وحدها. هناك أشياء كثيرة تعلمنا أن نخجل منها، مع أنها ربما ساهمت في صنعنا.
الحسد مثلاً! فمنذ طفولتنا يقولون لنا: لا تنظر إلى ما عند الآخرين. نصيحة ممتازة، لكنها ليست دائماً وصفة ممتازة للتقدم. ربما نظر الإنسان إلى بيت جاره فأراد بيتاً أكبر، ونظر إلى محصوله فأراد محصولاً أفضل، ونظر إلى نجاح زميله فقرر أن يعمل أكثر. الحقيقة الصعبة هي أننا أحياناً نكتشف رغباتنا عند النظر إلى حياة الآخرين.
ثم هناك الكذب! وهذه أصعب آفة في الدفاع عنها. وهنا أيضا المفارقة الصعبة، وهي أن الإنسان الذي يستطيع أن يقول شيئاً غير موجود، يستطيع أيضاً أن يتخيل شيئاً غير موجود، فقبل أن توجد شركة، أو دولة، أو عملة، كان على مجموعة من البشر أن تؤمن بفكرة لا يمكن لمسها.
الخيال والكذب ليسا الأمر ذاته، لكنهما يأتيان من مكان واحد، وهو قدرتنا على أن نرى ما ليس أمامنا.
وهناك بالطبع الخوف. نحن نحب الشجعان ونحتقر الجبناء. لكن أجدادنا الذين لم يخافوا الغازي أو الحيوان المفترس، ما كانوا ليستمروا وما كنا لنكون! الخوف اخترع الأبواب والأسوار، ثم المدن والدول. وهنا قصة جميلة وشخصية، عن صديقي الفرنسي الذي أخبرني عن جده عالم البصريات الذي اخترع منظار الباب الذي يستخدمه جميع البشر اليوم، بزاوية تسمح لزوجته خلال غيابه بسبب الحرب، أن تتأكد ما إذا كان أحدهم يختبئ قرب باب المنزل، عبر توسيع زاوية الصورة.
وأخيراً هناك الغرور. فكم من كتاب كُتب لأن صاحبه أراد الخلود؟ وكم من مبنى شاهق بُني لأن رجلاً أراد أن يكون مبناه الأعلى؟ هل باني الأهرام في مصر أجرى "دراسة جدوى" لمشروعه؟ بالتأكيد لا!
وفي النهاية، ربما علينا أن نتوقف عن تخيل الإنسان كمشروع أخلاقي يمكن تنظيفه تماماً من عيوبه. الفضائل وحدها لم تبنِ العالم. بناه أيضاً قليل من الحسد، وكثير من الفضول، وشيء من الغرور، وخوف كافٍ كي نبقى أحياء، ونميمة تكفي كي نعرف ماذا يفعل الآخرون.
ربما عيوبنا ليست أخطاء في تصميم الإنسان. ربما هي جزء من التصميم، لكن، لا يجب أن تختصرنا عيوبنا. نحن كثير من الخير، وبعض الآفات!
