د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : حينما يُفسِد "الخامس" حوارنا؟
كلما زاد عدد المشاركين في الحوار زاد "صداعه". هناك حالة من عدم الارتياح تنتابنا حينما يتسع نطاق النقاش ليشمل أعدادًا كبيرة، فنجد أنفسنا نهرب منه إلى متابعة الشاشات أو إلى حديث جانبي لعلنا نجد من يُصغي إلينا. العلماء شغلتهم هذه الظاهرة فأطلقوا عليها "مشكلة حفل العشاء" لأنها تَحدُث في أي مجلس يزدحم بالمتحدثين.
وفي دراسة للباحثة في علم النفس بجامعة ولاية أوكلاهوما "جايمي كريمس" وزميلها، حاول الباحثان إيجاد تفسير لميل المحادثات إلى التشتت عندما يزيد عدد المشاركين فيها على أربعة أشخاص. ويبدو أن "4" هو الرقم السحري الذي يقلب موازين الحوار، فعندما يتحاور خمسة أفراد فأكثر يبدأ الحوار بالتشتت، إذ يميل المشاركون إلى الانقسام إلى حوارات جانبية أو ثنائية. وفي المقابل، اتضح أن الحوارات الأكثر عمقا واندماجًا هي التي لا يتجاوز عدد المشاركين فيها أربعة أشخاص.
ولكن لماذا أربعة أفراد تحديدًا؟ يرى الباحثون أن الحديث مع ثلاثة أشخاص يُبقي الجميع في دائرة صغيرة يسهل فيها التركيز على حوار واحد. وما إن ينضم إليهم شخص خامس حتى تجدهم يميلون إلى الالتفات يمنة ويسرة بحثًا عن حديث جانبي، ومن دون شعور بأن المتحدث قد تُرِكَ وحيدًا. أما في المجموعات الأصغر، فيَصعُب على أحد الانسحاب من الحديث من دون أن يُلحظ فضلاً عما يسببه له من إحراج.
ولهذا لوحظ أن مسرحيات شكسبير والأفلام السينمائية تميل إلى الحوارات بين مجموعات صغيرة، لأن كثرة المتحدثين تشتت انتباه المُشاهد. وربما لهذا يكتفي كتّاب النصوص أحيانًا بظهور عابر للشخصيات الثانوية أو يمنحونها إيماءات صامتة تعزز المشهد الكوميدي أو الدرامي من دون أن تزاحم الحوار.
كما أنه كلما زاد عدد المشاركين في الحوار طالت مدة انتظار "أدوارنا" في الكلام وأصبحت أدعى للملل. وهذا ما يفسر محاولات بعض المشاركين المقاطعة المستمرة أو لفت الأنظار، بالمعارضة تارة وبالمبالغة في الموافقة تارة أخرى، لاقتناص فرص الدخول في الحوار.
وربما كان من المفيد أن يراعي منظمو الحفلات والدورات ألا تضم الطاولات أكثر من أربعة مقاعد، إذ يميل الحوار عند وصول عدد المتحدثين إلى خمسة فأكثر إلى الانقسام إلى أحاديث أصغر. ويمكن الاستفادة من الفكرة نفسها في اجتماعات العمل واللقاءات العائلية التي تهدف إلى توطيد العلاقات.
العبرة في حواراتنا العفوية ليست بعدد المشاركين، بل بجودة ما يدور فيها. والأهم أن نمنح المتحدث إصغاء حقيقيًا يتيح له البوح بمكنوناته. فكم من إنسان أنس بوجودنا، رغم أننا لم نمنحه سوى فرصة التحدث، ليشعر بأن هناك من يسمعه ويفهمه.
