حاجة الإنسان لترك أثر دائم تبدأ منذ الطفولة.. لماذا يرفض الأطفال تدمير ما تصنعه أيديهم؟
يبدو أن شعور الإنسان بأهمية أفعاله وقدرته على إحداث تأثير في محيطه يبدأ في وقت أبكر مما قد نتوقع، إذ تظهر بوادر هذا الشعور منذ الطفولة، عندما يبدأ الطفل في ملاحظة أن أفعاله يمكن أن تُحدث فرقًا من حوله.
وتوصلت إلى هذه النتيجة دراسة قادتها يلين ليو، طالبة الدكتوراه في علم النفس التطوري بجامعة تكساس في دالاس، بالتعاون مع فان يانغ، الأستاذة المشاركة في قسم علم النفس بجامعة شيكاغو ومديرة مختبر الطبيعة البشرية والإمكانات.
وأجرى الباحثون أربعة تجارب متتالية شملت مئات الأطفال بين سن الرابعة والتاسعة، إلى جانب مجموعات مقارنة من البالغين.
وطلب الباحثون من المشاركين تكوين أشكال على هيئة قلب باستخدام قطع أحجية، ثم منحهم خيارين؛ الأول وضع القطع مباشرة في آلة تمزيق، والثاني الاحتفاظ بها داخل صندوق.
وأظهرت النتائج المنشورة في مجلة Psychological Science اتجاهًا واضحًا، إذ اختار 90% من البالغين و80% من الأطفال اللعبة التي تحافظ على ما صنعوه، وتكرر هذا السلوك بشكل ثابت في التجارب المختلفة.
الارتباط بالنتائج الشخصي يتجاوز مجرد حب الحفظ
أظهرت التجربة الثانية فرقًا واضحًا، إذ لم يكن المشاركون حريصين على الاحتفاظ بالأشياء بشكل عام، وإنما على وجه التحديد على الحفاظ على ما صنعوه بأنفسهم.
وعندما طُلب من مجموعة أخرى مشاهدة قطع تتحرك على الشاشة دون المشاركة في صنعها، فضّل أفرادها النشاط المجاني الذي لا يحفظ القطع.
وفي المقابل، حين صنع المشاركون الأعمال بأنفسهم، كانوا على استعداد للتنازل عن ملصق ثمين فقط لضمان حفظ نتاج جهدهم.
وتثبت هذه النتيجة أن الحاجة إلى الأثر الدائم مرتبطة بالملكية الشخصية للجهد، لا بالميل العام نحو الاحتفاظ بالأشياء.
أهمية الشعور بقيمة العمل
اختبرت التجربة الثالثة تأثير الشعور بقيمة العمل في اختيار المهام التي تتطلب جهدًا أكبر؛ فعندما علم المشاركون أن أعمالهم ستُحفظ، اختار 83% من البالغين وأكثر من 80% من الأطفال بذل الجهد لصنع الأعمال الفنية، بينما تراجعت النسبة إلى 34% بين البالغين و50% بين الأطفال عندما علموا أنها ستُفكك.
وقالت ليو: "ما فاجأني أكثر هو مقدار المعنى القليل الذي يكفي لإحداث أثر؛ حيث صممنا الفارق بين الحالتين ليكون بسيطًا للغاية، وكانت ثمة أسباب وجيهة لتوقع أن المشاركين سيتجاهلونه، وأن يستجيب الأطفال لهذا الفارق الخفي كان لافتًا بشكل خاص".
هل الشعور بالمتعة في العمل يعزز الإبداع؟
وأضافت التجربة الرابعة بُعدًا مهمًا، إذ أظهرت أن توجيه المشاركين للتركيز على متعة العمل بدلاً من نتيجته أدى إلى زيادة دافعيتهم، لكنها لم تصل إلى المستوى الذي حققه الحفاظ على النتائج.
وتشير النتائج إلى أن المتعة تعزز الدافعية، لكنها لا تعوض بالكامل عن غياب الشعور بأثر العمل.
وأوضحت يانغ: "المتعة أدّت دورًا، لكنها عوّضت جزئيًا فقط؛ ما يشير إلى أن الاستمتاع بالنشاط والشعور بأنه مهم قد يؤديان أدوارًا متمايزة في الدافعية، وأن المتعة وحدها لا تغني عن الإحساس بالأهمية".
وترى يانغ أن المعنى ليس مفهومًا ثانويًا يظهر في مراحل متقدمة من الحياة، بل حاجة أساسية ترافق الإنسان منذ وقت مبكر.
وتصفه بأنه يشبه الهواء، موجود في كل مكان وقد لا ننتبه إليه دائمًا، لكن غيابه يصعب تعويضه؛ حيث تشير نتائج الدراسة إلى أن الشعور بالمعنى يؤثر حتى في أبسط الأفعال اليومية.
