التقدير الخارجي.. ما علاقة هذه العادة بشغفك ودافعيتك للاستمرار؟
لا تختفي الدافعية والشغف لدى معظم البالغين بسبب موقف سيئ واحد، بل تفقد قوتها بالتدريج نتيجة عادت صغيرة من التنازل وتأجيل القرارات انتظارًا لموافقة من حولهم.
ويتجاوز هذا السلوك المستمر مجرد اللباقة الاجتماعية، ليتحول مع الوقت إلى العائق الأساسي أمام الإنجاز والنجاح، وهو ما يطلق عليه علماء النفس اسم "التقدير الخارجي".
كيف يتسلل التقدير الخارجي إلى حياتك؟
يعتمد هذا المفهوم على "نظرية التقرير الذاتي"، وهي من أهم النظريات العلمية في علم نفس الدافعية؛ إذ توضح دراسة نشرت في مجلة "Contemporary Educational Psychology" أن استمرار الدافعية يحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية: الشعور بالكفاءة، والشعور بالانتماء، والشعور بالاستقلالية الذاتية.
ويؤدي الاعتماد الدائم على التقدير الخارجي واستحسان الآخرين إلى تدمير شرط الاستقلالية بالتدريج؛ لذا تبدأ هذه العادة بطريقة تبدو بسيطة وغير مضرة، مثل أن تنتظر موافقة شريك حياتك قبل البدء في مشروع، أو أن تتأكد من قبول الآخرين قبل أن تبدي رأيك.
لكن هذه التصرفات تتحول مع التكرار إلى رد فعل دائم يمنعك من الحركة إلا بعد الحصول على الموافقة.
الفرق بين الاستشارة والاعتماد على الآخرين
وتكمن المشكلة في أن هذه العادة تظهر كأنها حرص وحسن تصرف؛ فالشخص الذي يستشير من حوله يبدو هادئًا ويفكر بذكاء، وتلقى هذه التصرفات مكافأة وتشجيعًا في بيئات العمل والعائلات.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين اتخاذ القرار بعد الاستشارة، وبين جعل الدافعية كلها معتمدة على موافقة الآخرين؛ ففي الحالة الأولى تجمع المعلومات ثم تتخذ قرارك بنفسك، أمّا في الثانية فتظل طاقتك كلها معلقة بانتظار ردة فعل غيرك.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة "Organizational Psychology Review" الفرق بين العمل القائم على قيمك الشخصية "التنظيم الممتثل"، والعمل الذي تقوم به فقط لتتجنب الشعور بالذنب أو الخوف من إحباط الآخرين "التنظيم المقحم".
ويعطي "التنظيم المقحم" دفعة حماس قصيرة؛ لكنه لا يحافظ على الشغف والدافعية لفترات طويلة.
أثر التقدير الخارجي على الدماغ
يعيد الدماغ ترتيب طريقة عمله؛ عندما تصبح موافقة الآخرين هي المحرك الأساسي لك؛ فبحسب دراسة نشرت في مجلة "Frontiers in Human Neuroscience" فإن مسارات الدوبامين في الدماغ، وهي المسؤول الأول عن الشعور بالرضا عند بذل الجهد وتحقيق الإنجاز، تتغير مع الوقت لتعتمد على التقييم الخارجي.
ونتيجة لذلك، يفقد الفرد شعور المتعة بالعمل الذاتي، ويظل ينتظر تقييم الآخرين فقط؛ إذ تنشأ هذه العادة في الغالب بسبب بيئات العمل التي تضغط على الموظفين، أو نتيجة التربية في عائلات كانت تستخدم المنع والموافقة كوسيلة للتحكم.
والحل هنا لا يعني أن تتوقف عن الاهتمام بآراء الناس أو ترفض ملاحظاتهم، بل يتطلب إعادة بناء إشاراتك الداخلية التي كانت توجهك في الماضي.
خطوات عملية لاستعادة الدافعية
تؤكد البحوث العلمية حول بيئات العمل والتعليم أن مساعدة الأشخاص على تحديد قيمهم الخاصة والعمل بناءً عليها تعيد إليهم الدافعية بشكل طبيعي دون الحاجة لتصنعها.
وتبدأ الخطوة الأولى بما يسميه علماء النفس "توضيح القيم"، وهي طريقة منظمة لمعرفة الأشياء التي تمنحك شغفًا حقيقيًا بعيدًا عما يفرضه عليك المجتمع.
وأثبتت دراسة نشرت في مجلة "Implementation Science" أن تمارين توضيح القيم تزيد من الدافعية الذاتية والقدرة على تحقيق الأهداف بناءً على حب العمل نفسه وليس انتظارًا للثناء.
ويمكنك البدء اليوم بخطوة بسيطة: اتخذ قرارات صغيرة وانجز أعمالاً دون أن تنتظر أي تقدير خارجي أو تشاركها مع أحد، لتساعد عقلك على استعادة توازنه والاعتماد على بوصلتك الداخلية من جديد.
