بين الانتماء والشغف.. كيف شكّلت كرة القدم مشاعرنا وهويتنا؟
لا تسعنا الفرحة ولا نقدر على كبْت مشاعرنا بينما نصرخ احتفالًا بفوز فريقنا المُفضّل، كما لا نتمالك دموعنا مع الخسارة التي قد تأتي كما هي طبيعة كُرة القدم، بل هي طبيعة الحياة.
كُرة القدم لم تكُن يومًا تشجيعًا مُجرّدًا من المشاعر، أو تسلية أو ترفيهًا فحسب، بل من يجلس لمتابعة كل تفصيل عن فريقه، ويترقّب الفوز في كل ثانية تمرّ، وفي كل فرصة تضيع، ويشعر بألم الخسارة في نفسه، كما لو أنّه من خسر على أرض الملعب، يجعلنا نطرح تساؤلًا منطقيًا كيف صاغت كرة القدم هويتنا العاطفية بينما نشجّع من أعماق قلوبنا؟
سيكولوجية كرة القدم.. كيف تهيمن الرياضة على النفْس؟
لا يتعامل مشجعو كرة القدم معها على أنّها ترفيه، بل شيء أعمق من ذلك؛ إذ عندما نشجّع فريقًا ما، فإنّ هُوية اجتماعية تتشكّل تلقائيًا، بما يجعل نجاح الفريق نجاحًا لنا، ونضاله هو نضالنا، ولذا فإنّ هناك شعورًا بالانتماء يسري داخل النفْس، وقد يُسهِم في تقليل مشاعر الوحدة، وربّما يعزّز الثقة بالنفس أيضًا.
بين دوبامين الانتصار وألم الهزيمة
يدعم علم الأعصاب هذا الرأي أيضًا؛ إذ إنّ مشاهدة فوز فريقك المُفضّل يؤدي إلى إفراز الدوبامين، وهي المادة الكيميائية التي تمنحك مشاعر السعادة.
وهي نفس المادة التي تنبعث داخل جسدك عندما تحقّق نجاحًا شخصيًا، ولذا فإنّنا في بعض الأحيان نتعامل مع فوز فريقنا المُفضّل على أنّه فوز لنا.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ الخسارة يمكِن أن تنشّط مناطق الدماغ المرتبطة بالألم وخيبة الأمل، ما يجعل فاجعة الخسارة وغصّة الحلق التي قد نشعر بها أمرًا حقيقيًا نابعًا من القلب وليس مصطنعًا على الإطلاق.
لماذا نحمل همّ الفوز والخسارة بشكلٍ شخصي؟
كرة القدم ليست هواية أو تمضية لوقت الفرغ بالنسبة لمن يشجعون من أعماق قلوبهم، بل هي شغف عميق، وفي كثير من الحالات هُوية بالنسبة لهم.
ويشير علماء النفس إلى هذا الأمر باسم "الاستمتاع بالمجد المنعكس"، فعندما يفوز فريقنا نشعر بأنّنا فائزون أيضًا، وعلى العكس من ذلك فإنّ مفهوم "قطع الفشل المنعكس" يفسّر سبب ابتعاد بعض المشجعين عن فريقهم بعد خسارةٍ صعبة.
وبالنسبة لمن يشجّعون فريقًا لم يفُز ببطولات منذ مُدّة طويلة، فإنّ الاستمرار في العطاء من الطاقة العاطفية حال الفوز والخسارة، يجعل الأمر شخصيًا في النهاية، فيشعر المرء أنّ خسارة أو فوز فريقه خسارة أو مكسب له أيضًا.
كيف ترمّم كرة القدم ثقتنا الذاتية؟
كُلّما كان المرء مرتبطًا بأشخاص آخرين ناجحين، استمدّ منهم بعض الثقة الذاتية، فقد أظهرت دراسة قديمة عام 1976 في دورية "Journal of Personality and Social Psychology" أنّ الناس أكثر ميلًا لارتداء الملابس الرياضية بعد انتصارات الفريق، مقارنةً بالخسائر.
بل إن طريقة تعبيرهم تختلف حال الفوز عن الخسارة، فهُم أكثر ميلًا لاستخدام ضمائر المتكلم لوصف الانتصارات على غرار "كان هجومنا رائعًا اليوم"، وضمائر الغائب لوصف الخسارة نحو "لم يتمكّنوا من تسجيل هدف على الأقل".
ولذا فإنّ التشجيع في كرة القدم قد يكون مدفوعًا بحاجتنا إلى تعزيز ثقتنا الذاتية، ومِنْ ثمّ نبحث عن روابط أكبر منّا تتمثّل في أندية كرة القدم.
كرة القدم والهوية الاجتماعية
الحاجة إلى الانتماء ضرورة إنسانية، وإحدى الطرق التي تساعدنا على ترسيخ هذا الانتماء هو الانتماء الجماعي للأندية، خصوصًا عندما يشاركنا غيرنا نفس الانتماء.
وتظهر قوة الحاجة إلى الترابط بعدّة طرق، لعلّ من أبرزها اهتزاز أرجاء ملعب ليفربول بأغنية "لن تمشي وحدك أبدًا"؛ إذ يُظهِر مشجعو كرة القدم هويتهم المشتركة من خلال الغناء في تناغُم تام.
وحقيقةً فإنّ وجود المرء في تجربة جماعية مع آخرين يشاركونه نفس الشغف هو من أعظم ما يسرّ النفْس، ومن أعظم التجارب الاجتماعية، خصوصًا في الأحداث الرياضية الكبرى.
كيف يستخرج التشجيع المشاعر المكبوتة؟
يخلق مشجّعو كرة القدم أو أي رياضة بيئة فريدة، يسع فيها المرء التعبير عن مشاعره بأقصى ما يستطيع، وليست هناك مبالغة لو قُلنا إنّ حذف المشاعر من قلوب مشجعي الرياضة هو إزالة لمفهوم التشجيع بالأساس.
ومع بلوغ المرء، وتقدّم العُمر، ومرور الأيام به، فإنّه لا يمتلك فرصًا كثيرة للبكاء أو الصراخ أو أن يربّت أحد على كتفيه أو يحتضنه، ولكن بالنسبة للمشجّعين، فإنّ الرياضة قد تكون المتنفّس الوحيد لتلك المشاعر المكبوتة.
فكلّ تلك المشاعر تخرج في مُدّة 90 دقيقة دون خوف من العواقب، بما تتضمّنه من حُزن أو نشوة أو غضب أو يأس أو أمل، ثُمّ يعود المرء إلى بيته وقد استعاد توازنه العاطفي.
الجانب المظلِم من التشجيع
إذًا بعد أن تسلّلت كرة القدم بأفراحها وأحزانها إلى القلوب، وأعادت لمّ الشمل الاجتماعي، ورأبت كسْر النفس، وملأت الثقة الذاتية والرغبة في الانتماء، أليس لها آثار على الجانب الآخر؟
التوتر والقلق
كُلّما كُنت مشجعًا من كلّ قلبك لفريقك، فإنّك قد تواجِه مشكلات نفسية، مثل التوتر أو القلق، خصوصًا عندما تكون خائفًا من خسارة فريقك المُفضّل.
التعصب.. عندما تتلاعب كُرة القدم بنفوسنا
أيضًا من الجوانب السلبية لكرة القدم هو التأثير الذي نراه في بعض المشجعين عندما يعتدون لفظيًا أو جسديًا على مشجعي الفريق المنافس.
فهؤلاء المشجعون العدوانيون قد يتّسمون بسمات نرجسية ومستويات أقل من احترام الذات، ومِنْ ثمّ يستجيبون بعدوانية لأي إهانات متصوّرة لذاتهم الهشّة، التي تكون مُهدّدة حال الخسارة.
ونحن البشر لا نكتفي باكتساب هُوية اجتماعية فحسب، بل نتطلّع دائمًا إلى مزيدٍ من النفوذ والحظوة، ولذا يمكِننا من خلال التشجيع اكتساب المكانة التي نطمح إليها من خلال نجاحات الفريق الذي نشجعه، ومع ذلك قد ينقلب الدواء داءً؛ إذ إنّ نفس المكانة التي سعينا إليها تكون مُهدّدة وقت الخسارة، ومِنْ ثمّ يتملّكنا رد فعل أقوى تجاه هذا النوع من التهديد.
ولذا فإنّ النصيحة الذهبية دائمًا تكمُن في أن تكون الرياضة بما في ذلك كُرة القدم جزءًا من حياتك وليست كلّ الحياة.
كيف تُبقِي مشاعرك متّزنة في الأوقات الصعبة؟
بالنظر إلى القدرة الهائلة للرياضة على تشكيل مشاعرنا وهويتنا العاطفية، فمن المهم أن تدرِك كيف تتعامل مع خسارة فريقك المُفضّل، أو عندما يواجِه صعوبات على أرض الملعب، وهذه بعض النصائح التي تحافظ على توازنك النفسي والعاطفي، وفقًا لمنصة "Psychology today":
- لا تنسَ الصورة الكبيرة، وتذكّر أنّها لُعبة في النهاية، فهذا يساعد على تقبّل الخسارة، فلا تتعامل معها على أنّها نهاية العالم.
- تواصل مع المشجّعين الآخرين، ليس فقط في وقت الفوز وإنّما أيضًا في الأوقات الصعبة، فالتحدّث معهم قد يساعدك على تنظيم مشاعرك في هذه اللحظات.
- قلّل تعرّضك لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا في الأوقات الحرجة، لأنّ التعليقات التي تملأ منصّات التواصل الاجتماعي حينها غالبًا ما تكون سلبية، والاستراحة من هذه النقاشات مُثرٍ لصحتك النفسية.
- احتفل بالانتصارات الصغيرة، وابحث عن الإيجابيات واللحظات التي لا تُنسَى، وبعض اللقطات البسيطة التي بالتأكيد أمتعتك خلال المباريات.
ختامًا، تستخرج كرة القدم المشاعر المكبوتة، وتساعد على تحقيق رغبة عميقة وهي إحساس الهوية والانتماء، ولكن ينبغي أن تتذكّر دومًا أنّ كرة القدم جزء من الحياة، وأن تكون متزنًا قدر الإمكان عندما يمرّ فريقك بأوقات صعبة، فالفوز والخسارة هما لُغة كرة القدم، وليس الفوز وحده.
