في اليوم العالمي للصداقة.. كم العدد المثالي للأصدقاء؟
تتجه أنظار العالم بالتزامن مع "اليوم العالمي للصداقة"، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة رسميًا عام 2011، نحو إبراز الصداقة كقوة إنسانية ناعمة لتعزيز التضامن وبناء جسور التواصل بين الشعوب ودعم السلام العالمي.
غير أن الأبحاث الطبية والعصبية الحديثة باتت تنظر إلى هذا اليوم من زاوية بيولوجية أكثر عمقًا، مؤكدة أن الصداقة ليست مجرد قيمة أخلاقية أو رفاهية اجتماعية، بل هي حيازة لـ"شبكة أمان بيولوجية" تقي الإنسان من الأمراض وتدعم طول العمر.
وتكشف الدراسات العلمية الواسعة، وأبرزها أبحاث عالم النفس والأنثروبولوجيا بجامعة أكسفورد روبن دنبار، عن حقائق رقمية وعصبية مذهلة تضع الصداقة في مقدمة عوامل الوقاية الصحية.
الرقم السحري للصحة النفسية: 5 أصدقاء مقربين
وأثبتت دراسة موسعة أجراها الباحث سانتيني باحث الصحة النفسية في جامعة جنوب الدنمارك على 38,300 فرد من 13 دولة أوروبية، أن الوصول لدرجة المثالية في الصحة النفسية وتجنب الاكتئاب يتطلب وجود 5 أصدقاء مقربين.
وأوضحت النتائج أن العلاقة بين عدد الأصدقاء ومعدلات الإصابة بالاكتئاب تأخذ شكل حرف (U)؛ حيث يرتفع خطر الإصابة بالاكتئاب بشكل حاد لدى الأفراد الذين يملكون أقل من 5 أصدقاء وأكثر من 7 أيضًا.
ويعود سبب هذا الارتفاع إلى أن استنزاف الوقت المتاح وتوزيعه على عدد كبير من الأشخاص يضعف عمق العلاقة وجودتها، ما يفقدها قيمتها.
تفوق تأثير الأصدقاء على الامتناع عن التدخين
وفي تحليل وبائي ضخم أعدته الباحثة هولت-لونستاد الخبيرة في التواصل الاجتماعي والصحة، والذي شمل 148 دراسة استهدفت 310 آلاف مريض قلب، تبين أن امتلاك عدد كافٍ من الأصدقاء المقربين والتمتع بعلاقات قوية جاء في صدارة القائمة المحددة لفرص بقاء المرضى على قيد الحياة لمدة 12 شهرًا بعد الإصابة بأول نوبة قلبية.
وأكدت البيانات أن الدعم الاجتماعي الناتج عن الصداقة فاق في تأثيره الإيجابي عوامل صحية حاسمة أخرى، مثل الإقلاع عن التدخين، وممارسة الرياضة، واتباع نظام غذائي متوازن، والحفاظ على مؤشر كتلة الجسم، وحتى جودة الهواء المحيط.
كيمياء الترابط واللمس
وتعتمد الآلية البيولوجية للصداقة على الناقل العصبي "بيتا-إندورفين"، المسؤول المباشر عن بناء الروابط الاجتماعية.
ويتفاعل هذا الناقل مع مستقبلات في الدماغ بالأسلوب نفسه الذي يعمل به المورفين، لكنه يتميز عنه بعدم التسبب في الإدمان؛ لذا يعتبر البعض أن بيتا-إندورفين يفوق القدرة التسكينية.
ويُفرز هذا الهرمون عند التفاعل الجسدي عبر ألياف عصبية حسية خاصة تُعرف بـ"الألياف اللمسية"، وتستجيب الأعصاب فقط لحركات اللمس البطيئة المحددة.
هندسة الشبكة الاجتماعية في "دائرة دنبار"
وصاغ البروفيسور روبن دنبار عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية البريطاني، مقياسًا يُعرف بـ"دائرة دنبار"، يوضح القدرة الاستيعابية المحدودة للدماغ البشري في بناء العلاقات وإدارتها.
وتتدرج هذه العلاقات في دوائر تتوسع بمعدل ثلاثة أضعاف تقريبًا كلما انتقلنا من طبقة إلى أخرى؛ حيث تبدأ بشخص ونصف في دائرة الرفيق الحميم، ثم خمسة أصدقاء في الدائرة المقربة القوية التي تُعد الحد الأمثل لحماية الصحة النفسية، وتتسع إلى 15 صديقًا من الأوفياء، ثم 50 من الأصدقاء الجيدين، وصولاً إلى 150 شخصًا، وهو السقف الأقصى للشبكة الاجتماعية التي يمكن للإنسان التواصل معها بفاعلية.
ولضمان استمرار هذه العلاقات وعدم فتورها، تشير الأبحاث إلى ضرورة استثمار حد أدنى من الوقت والتواصل، يفرض التلاقي أو الحديث مرة أسبوعيًا لأفراد طبقة الخمسة المقربين، ومرة شهريًا لطبقة الـ15، ومرة سنويًا لطبقة الـ150؛ إذ يؤدي عدم الالتزام بهذا الحد الأدنى إلى تراجع سريع في عمق المشاعر والدفء العاطفي خلال أشهر قليلة.
الأثر السلبي للعزلة
وتظهر الأبحاث الأثر السلبي الحاد للعزلة على التركيب العصبي؛ إذ كشفت بيانات المصرف الحيوي البريطاني لأكثر من 40,000 شخص تراوحت أعمارهم بين 40 و69 عامًا، أن الأشخاص الذين يعانون الوحدة ينخفض لديهم حجم المادة الرمادية في الفصين الجبهي والجداري من الدماغ.
ويُصاحب هذا الانخفاض ضمور واضطراب في عمل الشبكة العصبية الافتراضية، وهي المنطقة المسؤولة عن التفكير وفهم مشاعر الآخرين ونواياهم.
وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة طولية تابعت أفرادًا فوق سن الـ50 على مدار 6 سنوات، أن الشعور الممتد بالوحدة يرفع خطر الوفاة المبكرة، حتى بعد استبعاد أثر العوامل الصحية الأساسية والسن والدخل.
