سر الـ128 ألف حرف.. لماذا تفشل توائم الذكاء الاصطناعي في أن تصبح نسخة منك؟
التوأم الرقمي هو نموذج حاسوبي أو "نسخة افتراضية" تُبنى باستخدام الذكاء الاصطناعي ومحاكاة البيانات لتقليد سلوك الشخص، أو تفضيلاته، أو خياراته المستقبليّة بدقة.
كشفت دراسة حديثة مفاجأة صادمة حول مدى جدوى هذه التقنية؛ إذ تبين أن التوائم الرقمية المعتمدة على 500 إجابة شخصية مفصلة لم تقدم أي تفوق حقيقي يُذكر مقارنة بنماذج بسيطة للغاية تكتفي بمعرفة العمر والدخل فقط.
وأجرى الدراسة فريق ضم 23 باحثًا من جامعة كولومبيا، وشملت اختبار 1784 شخصًا عبر 164 سؤالاً مختلفًا، حيث خلص الباحثون إلى وجود خمسة تشوهات جوهرية تجعل هذه التوائم أداة معيبة للقياس السلوكي.
ووفقًا للنتائج المنشورة في مجلة «Science Advances»، حقق التوأم الرقمي المُدرَّب على 500 إجابة دقة بلغت 0.748، في حين سجل النموذج المبني على 14 متغيرًا ديموغرافيًا دقة بلغت 0.746.
لم تقدم البيانات الشخصية الضخمة "128 ألف حرف" أي فائدة حقيقية لتحسين دقة النموذج التنبؤية؛ إذ زادت الدقة بفارق لا يُعتد به عمليًا وهو أقل من 0.002.
في المقابل، أثبت النموذج الخالي تمامًا من البيانات الشخصية كفاءته بتحقيق دقة بلغت 0.734، وهي نسبة ممتازة مقارنة بدقة الإجابات العشوائية 0.629.
ونفّذ الفريق البحثي 19 دراسة جديدة أُجريت بواسطة نموذج GPT-4.1، شملت أسئلة حول نشر الأخبار المضللة، واتخاذ قرارات التوظيف، وتحديد التصرفات المالية.
خمسة تشوهات تُفسّر فشل التوأم الرقمي
رصد الفريق خمسة أنماط تفسّر سبب هذا الأداء المتدني، وكلها ظهرت في البيانات بعد اكتمال التحليل الرئيس.
وتمثّل النمط الأول في الميل نحو الإجابات التقليدية؛ فبدلاً من أن تعكس هذه التوائم الشخصية الفريدة لكل فرد، جاءت إجاباتها عمومية وفي نطاق ضيق جدًا، وكأنها تضع الشخص داخل قالب جاهز بدلاً من التعبير عن رأيه الحقيقي.
أمّا النمط الثاني فهو اعتماد القوالب النمطية، حيث أظهرت التوائم تشابهًا أكبر مع متوسط الفئة التي ينتمي إليها الشخص أكثر من تشابهها مع الشخص نفسه.
ويتمثل النمط الثالث في الانحياز لفئات بعينها، إذ أظهرت التوائم دقة أكبر عند محاكاة الأشخاص الأعلى دخلاً وتعليمًا وذوي الآراء المعتدلة، ما يعني أن الاستطلاعات التي تعتمد عليها ستعبر عن الفئات الميسورة وتُهمش بقية المجتمع.
والنمط الرابع هو الانحياز الفكري؛ فقد أبدت التوائم ثقة أكبر في الآخرين، وتقبلاً واسعًا للذكاء الاصطناعي، وكانت أقل حساسية تجاه الإعلانات، كما أبلغت عن استخدام تطبيق "تيك توك" بنسبة أقل بكثير من الواقع وقللت من قيمة الإبداع البشري، وهو ما حذر الباحثون من خطورته لأنه قادر على التأثير في قرارات الناس وتوجيه آرائهم دون أن يشعروا.
أما النمط الخامس والأخير فهو فرط العقلانية والتظاهر بالذكاء؛ حيث أظهرت التوائم معرفة لا يمتلكها أصحابها الحقيقيون، وأجابت على الأسئلة المنطقية بمهارة، لكنها فشلت في تقليد السلوكات والأخطاء الطبيعية التي يقع فيها البشر عند الشراء، ما أثبت أنها تكرر فقط النتائج المحفوظة في ذاكرتها ولا تفكر بشكل مستقل.
قدرات التوأم الرقمي في شكله الحالي
اختبر الفريق البحثي عدة نماذج ذكاء اصطناعي متطورة، منها GPT-5 وDeepSeek وGemini ونسخة مُعدَّلة من GPT-4.1، إلا أن أعلى معدل ارتباط حققته هذه النماذج لم يتجاوز 0.232.
وكان معدل الارتباط في التجربة الأساسية قد بلغ 0.197، مقابل 0.145 للنماذج التي اعتمدت على البيانات الديموغرافية فقط، وهو ارتباط ضعيف جدًا يُشبه في قوته العلاقة بين طول الإنسان ومستوى ذكائه.
من جانبه، أشار الباحث أوليفييه توبيا، أستاذ في كلية كولومبيا للأعمال وأحد مؤلفي الدراسة، لموقع Earth.com إلى أن هناك نتائج أكثر إيجابية ظهرت في أبحاث أخرى اعتمدت على دمج البيانات السلوكية السابقة أو المقابلات الشخصية، لكنه أكد تحفظه الأساسي موضحًا أن السلوك البشري بالغ الصعوبة في التنبؤ به، ولا توجد أي كمية من البيانات يمكنها إلغاء التباين والتغيرات غير المتوقعة لدى البشر.
وبناءً على ذلك، يُعد التوأم الرقمي في شكله الحالي مجرد تخمين ذكي يعبر عن فئة كاملة من الناس، وليس نسخة مطابقة لإنسان بعينه.
