التشابه أم الاختلاف: أيهما السر الحقيقي لتعزيز السعادة الزوجية؟
تُشكل طبيعة العلاقة بين الشريكين محورًا رئيسًا في الدراسات الاجتماعية والنفسية، حيث يتواصل النقاش حول أثر السمات الشخصية، سواء كانت متشابهة أو مختلفة، في صناعة الجاذبية العاطفية وضمان استدامة السعادة الزوجية على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة موسعة نشرها هوروفيتس وآخرون في مجلة "Nature Human Behaviour" عن وجود ارتباطات وثيقة ومباشرة بين الشركاء؛ بناءً على مراجعات منهجية وتحليلات لـ 22 سمة شخصية، إلى جانب تحليل قاعدة بيانات "UK Biobank" لـ 133 سمة شخصية.
وأكدت النتائج بشكل قاطع أن الأفراد يرتبطون استنادًا إلى نقاط التشابه، ما ينفي المقولة الشائعة بأن "الأضداد تتجاذب".
هل التشابه سر السعادة بين الزوجين؟
تتطابق هذه النتائج تمامًا مع فرضية "الانجذاب القائم على التشابه"، وهي الفكرة التي تؤكد الأبحاث صحتها في جوانب كثيرة، مثل الجاذبية الجسدية، وطريقة التعلق العاطفي، والآراء السياسية والدينية، بالإضافة إلى المستوى التعليمي.
ولا يقف هذا التوافق عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل حب المغامرة وعشق المخاطرة؛ حيث التقى زوجان من محبي الإثارة في موعدهما الأول بمدينة ألعاب، وركبا أفعوانية بارتفاع 325 قدمًا 12 مرة متتالية.
وأثناء تجهيز ترتيبات الزفاف، اتفقا على أن تكون هذه الأفعوانية تحديدًا، والمُسماة "Fury 325"، هي المكان المناسب لتبادل عهود الزواج، وهو ما نفذاه بالفعل أمام الحاضرين الذين أذهلهم المشهد.
وعلى الرغم من المزايا الأولية الجلية لهذا التشابه في تأجيج المشاعر، إلا أنه لا يصمد بنفس القوة مع مرور السنوات.
تأثير العمر في الرضا الزوجي
سلطت دراسة أجراها الباحثان شيوتا وليفينسون، ونُشرت في مجلة "Psychology and Aging" تحت عنوان "الطيور على أشكالها لا تطير دائمًا إلى أبعد مسافة"، الضوء على هذه الظاهرة؛ حيث كانت من أسبق الدراسات التي تناولت التأثير المعدِّل للتقدم في العمر على العلاقة بين التشابه والرضا الزوجي.
واختبر الباحثون صحة مقولة "الطيور على أشكالها تقع" لدى الأزواج في منتصف العمر وكبار السن، متتبعين مستويات الرضا الأولى ومسار العلاقة على المدى الطويل.
واستند التقييم إلى قياس "سمات الشخصية الخمس الكبرى"، وهي: الانفتاح على التجارب مقابل انغلاق الأفق، والضمير الحي مقابل الفوضوية، والانبساط مقابل الانطواء، والتوافق مقابل العدائية، والاستقرار النفسي مقابل التوتر.
وجاءت النتائج مفاجئة؛ إذ تبين أن تشابه الطباع بين الزوجين حقق قدرًا أكبر من الرضا في سنوات الزواج الأولى، بينما سجل الأزواج المتشابهون مستويات رضا أقل خلال المراحل المتوسطة والمتقدمة من حياتهم الزوجية.
استغلال الاختلافات لدعم السعادة الزوجية
يمكن للزوجين الاستفادة من الاختلافات بينهما بمنظور جديد؛ فعلى الرغم من وجود نقاط توافق تجمع بينهما، تفرض الحياة تحديات بدنية وعاطفية وحياتية تتطلب مهارات وحلولاً متنوعة.
وتستدعي هذه الظروف استغلال الخبرات والمهارات المختلفة التي لم تكن قيد الاستخدام في بداية الزواج، ما يمنح الطرفين قوة حقيقية مع مرور الوقت، ليتحولا إلى "زوجين متكاملين".
قد يتشارك الزوجان مثلاً حب السفر، ولكن أحدهما يبرع في تنظيم الرحلة وتخطيطها، أو يكون أحدهما أكثر صبرًا وهدوءًا في التعامل مع الأحفاد الصغار، بينما يفضل الآخر التواصل مع المراهقين.
وحتى عند مواجهة القلق من القرارات المالية أو الصحية، فإن تقدير نقاط القوة لدى كل طرف يساعد على دمج الرأيين للوصول إلى قرار أفضل وأكثر حكمة.
ويشبه الزوجان في النهاية طيورًا من السرب نفسه، لكنهما يطيران معًا نحو وجهات جديدة بأساليب مختلفة.
وحين يواجه الإنسان أمرًا مجهولاً، قد يشعر بالقلق الذي يتحول أحيانًا إلى غضب، بينما يكمن الحل في التحلي بالفضول لاستكشاف ميزات الشريك وتقبل اختلافاته؛ فالتمسك بالحب والتكاتف هو السبيل الأضمن لتجاوز تقلبات الحياة وتحقيق السعادة الزوجية المستدامة.
