ليس علامة على الملل.. ماذا يحدث لجسمك عندما تتنهّد؟
التنهُّد العفوي يعيد ضبط تقلبات التنفس المتراكمة خلال فترات الانتباه المطوّل؛ ففي دراسة نُشرت في مجلة Psychophysiology المتخصصة، أفادت بأن التنهد يؤدي دورًا محوريًا في إعادة التوازن للجهاز التنفسي عند خضوعه للمهام الرتيبة.
وأوضحت الدراسة أن التنفس الطبيعي يتسم بوجود تذبذبات مستمرة في السرعة والعمق تُعرف بـ"تقلبية التنفس"، وهي سمة أساسية لضمان مرونة الجهاز التنفسي وقدرته على التكيف مع التغيرات المفاجئة.
وأضاف الباحثون أن ضغوط الأعمال الرتيبة تتسبب في تراكم الاضطرابات داخل هذا النظام، ما يجعل التنهُّد آلية تصحيحية يستعيد بها الجسم توازنه الطبيعي.
ما هو التنهُّد؟
واشتملت الدراسة على مجموعتين مستقلتين؛ فالأولى ضمت 72 بالغًا أجروا اختبار انتباه بصري استمر 8 جلسات بواقع 8 دقائق لكل جلسة؛ رصد المشاركون شاشة حاسوب وضغطوا على الفأرة عند تلاشي نمط دائري.
وخلال تنفيذ الاختبار، تعمّد البرنامج المقاطعة بمسابر عشوائية، ووجه أسئلة للمشاركين لتقييم مدى تركيزهم وانتباههم في تلك اللحظات، أو ما إذا كانت أفكارهم قد انحرفت نحو أمور جانبية.
وضمت المجموعة الثانية 57 مشاركًا في مهمة استماع إيقاعية لمدة 21 دقيقة، وقُسّمت إلى فئتين: 32 تنفسوا بشكل طبيعي، و25 التزموا بإيقاع تنفس بطيء ومضبوط.
وقاس الباحثون عمق التنفس بحزام استشعار يُثبَّت حول الصدر السفلي، وعرّفوا التنهُّد بأنه أي شهيق يتجاوز ضعف متوسط حجم النفس المعتاد.
العلاقة بين التنهُّد وتنظيم التنفس
وسجلت المجموعة التي تنفست بشكل طبيعي ارتفاعًا تدريجيًا في تقلبية التنفس مع مرور الوقت، وبعد كل تنهد مباشرة، انخفضت هذه التقلبية المتراكمة بصورة واضحة.
وسلّط الباحثون الضوء على الفارق بين نوعين من تقلبية التنفس؛ وهما التقلبية العشوائية غير المنتظمة، والتقلبية المنظمة القابلة للتنبؤ.
وأشارت نتائج الدراسة إلى أن التنهد يحدث تحديدًا عندما يفقد التنفس طابعه المنتظم، ليُعيد فور حدوثه بناء التسلسل المتوقع بين الأنفاس.
وعلى صعيد آخر، أظهرت نتائج المجموعة المُقيَّدة بالتنفس البطيء مسارًا مختلفًا كليًا؛ حيث سجلت انخفاضًا حادًا في معدلات التنهد مقارنة بالمجموعة التي تنفست بشكل طبيعي، وهو ما أرجعه الباحثون إلى أن التحكم الإرادي في عملية التنفس يُلغي الحاجة الفيزيولوجية لحدوث التنهد.
وفي إطار متابعة الاستجابات الفيزيولوجية، رصد الباحثون باستخدام كاميرات تتبع عالية السرعة التغيرات الطارئة على حدقة العين لدى جميع المشاركين.
وأظهرت التسجيلات أن حدقة العين تتوسع بنمط زمني محدد عند حدوث التنهد؛ إذ يبدأ التوسع مع بداية الشهيق، ليصل إلى ذروته بُعيد اكتمال العمق الأقصى للنفس، قبل أن تنكمش الحدقة تدريجيًا مع مرحلة الزفير.
وأكد الباحثون أن هذا النمط الزمني الدقيق يُثبت دور التنهد في تحفيز تحول سريع ومنسق في مستوى التنبه الفيزيولوجي لدى الإنسان؛ استنادًا إلى أن توسع الحدقة يُعد مؤشرًا علميًا موثوقًا على نشاط منظومة "النورأدرينالين" الدماغية المسؤولة عن الاستيقاظ وزيادة التركيز.
ظاهرة التزامن الطوري
وكشف اختبار الانتباه البصري ظاهرة لافتة أسماها الباحثون "التزامن الطوري"؛ إذ تزامن تنفس المشاركين لا شعوريًا مع توقيت ظهور الأهداف البصرية على الشاشة.
وكلما اشتد هذا التزامن، زاد اضطراب التنفس العام وارتفعت معدلات التنهد؛ حيث يعطّل إجبار الجسم على مواءمة إيقاعه التنفسي مع حدث خارجي غير منتظم، النظام التنفسي ويزيد الحاجة إلى إعادة الضبط.
ورغم رصد تغيرات فيزيولوجية واضحة، أظهرت النتائج عدم تسجيل أي تحسن في الأداء السلوكي المباشر للمشاركين عقب التنهد؛ إذ لم تتغير أوقات استجابتهم للأهداف البصرية والصوتية، كما لم تشهد مستويات التركيز أي تحسن وفقًا لتقاريرهم الذاتية.
وأوضح الباحثون أن هذا الانفصال بين الحالة الجسدية والمردود المعرفي يشير إلى أن التنهد يؤدي بالأساس وظيفة تنظيمية فيزيولوجية، وليس وظيفة إنجازية أو تحفيزية مباشرة في المهام البسيطة.
