الرجيم الكريتي.. الأصل الحقيقي لحمية البحر المتوسط
دائمًا ما يتصدّر رجيم البحر المتوسط الأنظمة الغذائية الصحيّة، الذي تَشكّل استنادًا إلى العادات الغذائية لمن يسكنون ضفاف البحر المتوسط، في اليونان وإيطاليا وإسبانيا وتركيا.
ولكن الحقيقة أنّ جزيرة صغيرة في البحر المتوسط كانت بداية هذا الرجيم، هي جزيرة كريت، التي اعتمد سُكّانها على حمية خاصّة بهم بأطعمة موسمية، وبزيت الزيتون الذي كان مصدر الدهون الرئيس، بينما كانت أمراض القلب تعصِف بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في القرن العشرين، فهلمّ بنا نتعرّف إلى الرجيم الكريتي.
كيف سبق الرجيم الكريتي حمية البحر المتوسط؟
في خمسينيات القرن العشرين، بدأت الجامعات الأمريكية بدراسة ظاهرة ارتفاع متوسط العُمر المتوقع في جزيرة كريت؛ إذ كانت بعض الأمراض الحضارية أكثر ندرة في ذلك الوقت هناك مقارنةً بالدول الأخرى؛ خصوصًا بالنسبة لأمراض القلب والأوعية الدموية، وأنواع معيّنة من السرطان، مثل سرطان القولون.
دراسة الدول السبع بداية القصّة
وقد نشأت حمية البحر المتوسط من دراسة الدول السبع "Seven Countries Study"، التي بدأت رسميًا عام 1957 -لكن كانت بداية جمع البيانات قبل ذلك في عام 1947- والتي أجراها عالِم وظائف الأعضاء من جامعة مينيسوتا "أنسيل كيز" الذي كرّس جهده لإيجاد طريقة لمكافحة أمراض القلب التي بدأت تنتشر بين الأمريكيين.
واكتشف أنّ جزيرة كريت، كانت الأكثر صحّة بين البلدان التي شملتها دراسته (أمريكا وفنلندا وهولندا وإيطاليا واليونان ويوغوسلافيا واليابان)؛ إذ كانت نسبة الإصابة بأمراض القلب منخفضة للغاية بين سُكّان جزيرة كريت، أمّا عاداتهم الغذائية حينها فتضمّنت:
- تناول الطعام الموسمي والمحلي.
- تناول ما بين 9 إلى 12 حصة من الفواكه والخضراوات يوميًا.
- الكثير من زيت الزيتون، فهو الزيت الوحيد المُستخدَم هناك، ويُشكّل نحو 37% من السعرات الحرارية اليومية التي يتناولونها.
ورغم بعض الانتقادات التي طالت الدراسة، فإنّ المتابعة الطولية أظهرت أنّ التزام حمية البحر المتوسط عمومًا، والرجيم الكريتي خصوصًا؛ أدّى إلى تمتّع كبار السن بنشاطٍ وحيوية، بل أُخبِر الباحثون بمزارعين لا يزالون يعملون في سن الـ100 سنة، كما شهد من تبنّوا نمطًا غذائيًا أكثر غربية ارتفاعًا في أمراض القلب وبعض الأمراض الأخرى، كالخرف.
المبادئ الغذائية الأساسية في النظام الغذائي الكريتي
تبيّن خلال الدراسة أنّ رجال ريف كريت كانوا يستهلكون:
- كميات كبيرة من زيت الزيتون والزيتون والفواكه والمكسرات والخضراوات؛ وبخاصة الخضراوات البرية.
- كميات معتدلة من الأسماك والجبن.
- كميات صغيرة جدًا من البيض واللحوم والحليب.
فكان جوهر النظام الغذائي تناول كميات وفيرة من مضادات الأكسدة والألياف وأحماض أوميجا 3 الدهنية، وفيتامين هـ وفيتامين سي، وكذلك المواد الكيميائية النباتية والسيلينيوم.
ولكن ما أثار دهشة الباحثين حينها أيضًا أنّ النظام الغذائي الكريتي كان مليئًا بالدهون، فنحو 37% من السعرات الحرارية التي يتناولونها تأتي من الدهون، ومعظمها من زيت الزيتون.
كما تناولوا كميات كبيرة من أحماض أوميجا 3 الدهنية من الأسماك والنباتات البريّة والقواقع والمكسرات، أمّا البروتين المُستهلَك من مصادر أخرى غير الأسماك والبقوليات، فكان من الدجاج والبيض وبعض اللحوم.
كيف تأكل مثل سُكّان جزيرة كريت؟
قد لا تقدر على تناول الخضراوات نفسها التي يتناولها سُكّان كريت، ولكن ثمّة بعض الإرشادات الأساسية فيما يتعلّق بهذا النظام الغذائي المنسيّ، مثل:
1. الدهون الصحيّة لها الأولوية
تُشكّل الدهون نحو 35 - 40% من السعرات الحرارية اليومية في النظام الغذائي الكريتي، ولكن مصدر الدهون الرئيس زيت الزيتون والزيتون وليس الدهون الحيوانية (تشير الإرشادات الغذائية للأمريكيين 2020 - 2025 إلى أن تمثّل الدهون 25 - 30% من السعرات الحرارية اليومية).
2. الفواكه والخضراوات لا تفارق مائدتك
حرص سُكّان الجزيرة على تناول الفواكه الموسمية، كما أنّ استهلاكهم للخضراوات مرتفع أيضًا، ولكن ما يميّز المنطقة هناك الخضراوات البرية التي لا تنمو في أي مكان آخر بالعالم، مثل ستامناجاثي البرية، فهذه الخضراوات تُعدّ مصادر جيّدة لأحماض أوميجا 3 الدهنية وفيتامين سي وفيتامين هـ.
كذلك تُتناول الخضراوات بعد غليها وتغطيتها بزيت الزيتون والليمون، ولكن ليست الخضراوات البريّة وحدها ما تناوله أهل كريت، بل كذلك ما نعرفه، مثل الخرشوف والفلفل الحلو والملفوف والخيار والطماطم والكوسة وغيرها.
ويستهلك المواطن الكريتي العادي ما بين 9 إلى 12 حصة من الفواكه والخضراوات يوميًا، مقارنةً بالإرشادات الغذائية للأمريكيين 2025 - 2030 التي تُوصِي بتناول 5 حصص من الفواكه والخضراوات.
3. الأطعمة الأخرى
كذلك تتضمّن الأطعمة الأخرى في الرجيم الكريتي:
- الحبوب الكاملة: كالشعير والقمح في شكل خبز ولفائف وبسكويت.
- مجموعة واسعة من البطاطس والأرز وأحيانًا الهليوبيتس (نوع من معكرونة البيض).
- البقوليات: 3 مرات في الأسبوع، وتحديدًا الفول العريض وحبوب الفول والحمص والعدس والبازلاء المقسمة والفاصوليا البيضاء، وهي مصدر للبروتين والألياف.
- المكسرات: غالبًا اللوز والبندق والكستناء والجوز.
- البيض: يستهلك سُكّان كريت في المتوسط 2 - 3 بيضات أسبوعيًا، ولكن الدجاج المُنتِج هو دجاج حرّ يعيش على التين والأعشاب والحشرات والرجلة ولا يتناول الحبوب، وهذا ما جعل البيض مصدرًا ممتازًا لأحماض أوميجا 3 الدهنية.
- الأسماك: تُتناول مرة أو مرتين في الأسبوع.
- منتجات الألبان: لا تُشكّل جزءًا كبيرًا من النظام الغذائي، وما يُتناول عادةً هو الجبن وليس الحليب.
- اللحوم: يُتناول الدجاج أسبوعيًا بكميات صغيرة جدًا، وتُتناول القواقع بوتيرة أعلى من أنواع اللحوم الأخرى، ويُقال إنّ قواقع جزيرة كريت تحتوي على كميات عالية من أحماض أوميجا 3 الدهنية، كما يقتصر أهل كريت على كمية قليلة جدًا من اللحوم تقتصر غالبًا على العطلات.
ما الفرق بين الرجيم الكريتي ورجيم البحر المتوسط؟
استوحى رجيم البحر المتوسط مبادئه الغذائية من النظام الغذائي الكريتي، لكن مع بعض التغييرات؛ إذ يتضمّن:
- تناول زيت الزيتون مصدرًا رئيسًا للدهون.
- التركيز على الأطعمة النباتية من حبوب كاملة وفواكه وخضراوات وبقوليات ومكسرات.
- تناول البروتين باعتدال تحديدًا المأكولات البحرية، ثُمّ الدواجن، مع تقليل تناول اللحوم الحمراء (على غرار الرجيم الكريتي).
وفي النهاية لا يختلف كثيرًا عن النظام الغذائي الكريتي؛ إذ يتكوّن رجيم البحر المتوسّط من 40% كربوهيدرات و40% من الدهون الصحية و20% من البروتين.
وقد ثبتت فاعلية رجيم البحر المتوسط في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب ومرض السكري من النوع الثاني وتعزيز صحة الدماغ وغير ذلك، كما حاز هذا الرجيم المركز الأول في الأنظمة الغذائية الصحية لعام 2025 حسب "U.S News & World Reports".
صحيح أنّ النظام الغذائي الكريتي لم يخضع لدراساتٍ كثيرة مثل حمية البحر المتوسّط، لكنه يظلّ الأب المنسيّ لتلك الحمية؛ خصوصًا أنّ البداية كانت من هناك حين كان سُكّان كريت يعيشون حتى 100 عام، بينما تجتاح أمراض القلب كُبرى الدول في القرن العشرين.
