القهوة أم الكرياتين.. أيهما يمنح الدماغ طاقة للاستمرار بعد الأرق؟
يعرفه معظم الناس كمكمّل لتعزيز العضلات والأداء الرياضي، لكن الكرياتين يخفي وجهًا آخر لا يقل أهمية: حماية الدماغ حين يُحرم من النوم.
دراستان حديثتان أثبتتا أن جرعة واحدة منه كافية لإبطاء التدهور المعرفي الذي تُسببه الليالي الطويلة، وأن النساء والنباتيين قد يجنون منه أكبر الفوائد.
ما الذي يحدث للدماغ حين يُحرم من النوم؟
ويُحدث الحرمان من النوم خللاً حقيقيًا في كيمياء الدماغ؛ إذ تتراجع مستويات الفوسفوكرياتين والأدينوزين ثلاثي الفوسفات (ATP) والغلوتامات، وهي مركبات أساسية في استقلاب الطاقة والإشارات العصبية.
ويفسّر هذا الخلل الضباب الذهني الذي يعتري الإنسان بعد ليلة بلا نوم، ويُضعف قدرته على التركيز والتذكر وسرعة المعالجة.
والكرياتين بطبيعته مادة تُصنعها الكبد وتتركز في العضلات وخلايا الأعصاب، وتتوافر كذلك في اللحوم والأسماك، وحين يُغذّي الدماغ بمخزون كافٍ منها، يستطيع الحفاظ على توازن الطاقة العصبية حتى في ظل الإجهاد.
الكرياتين في مواجهة الحرمان من النوم: ماذا قالت الدراسة؟
أجرى باحثون من معهد علوم الأعصاب في مركز يوليش الألماني تجربةً أعطوا فيها 15 متطوعًا سليمًا جرعةً عالية من الكرياتين أحادي الهيدرات (0.35 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم)، أي ما يعادل نحو 24 غرامًا لشخص وزنه 70 كيلوغرامًا، ثم أبقوهم مستيقظين 21 ساعة متواصلة في ظروف مختبرية محكمة.
بعد 3 ساعات من تناول الكرياتين، ظهرت تحسينات ملموسة في استقلاب الدماغ والأداء المعرفي، وبلغت ذروتها بعد 4 ساعات واستمرت حتى 9 ساعات.
وأظهرت فحوصات الرنين المغناطيسي الطيفي أن الكرياتين أسهم في رفع مستويات الفوسفوكرياتين وتثبيت احتياطيات الطاقة في الدماغ، بخلاف مجموعة الدواء الوهمي التي شهدت تراجعًا واضحًا في هذه المؤشرات.
وتحسّنت لدى المجموعة المتناولة للكرياتين سرعة المعالجة الذهنية والذاكرة قصيرة المدى، إضافة إلى أداء المهام المنطقية واللغوية والعددية، بحسب الدراسة المنشورة في مجلة Scientific Reports.
وأثبتت دراسة مكمّلة نُشرت عام 2026 في مجلة Nutrients أن جرعة أخفض قدرها 0.2 غرام لكل كيلوغرام أدّت هي الأخرى إلى تحسين ملحوظ في الأداء المعرفي خلال 21 ساعة من الحرمان من النوم، محققةً تحسنًا بنسبة 12% في عدة اختبارات.
وشملت الدراسة 29 متطوعًا سليمًا، وأكدت التأثيرات المفيدة للكرياتين على المهام المنطقية والعددية وسرعة المعالجة اللغوية، مع الإشارة إلى أن النساء حققن تحسنًا أكبر مقارنةً بالرجال في معظم الاختبارات.
من يستفيد أكثر من الكرياتين؟
ويبدو أن فئات بعينها تجني فائدة أوضح من تناول الكرياتين في ظروف الإجهاد والحرمان من النوم.
ويأتي في مقدمة هذه الفئات، النباتيون الذين يحصلون على كميات أقل من الكرياتين الغذائي الموجود أساسًا في اللحوم والأسماك، ما يجعل احتياطيات أدمغتهم منه أدنى في الأصل.
ويشمل المستفيدون عمال الورديات الليلية، والعاملون في المهن التي تستوجب اليقظة التامة رغم قلة النوم، كالأطباء والمسعفين وعناصر الإطفاء.
ويرى الباحثون أن الكرياتين قد يكون منافسًا جديًا للقهوة في ليالي العمل الطويلة، شريطة أن تُثبت الدراسات المستقبلية فاعليته بجرعات أكثر انخفاضًا وسهولةً في التناول.
هل يعوّض الكرياتين النومَ؟
ولا يُغني الكرياتين عن النوم، ولا يُلغي تأثيراته الضارة على الجسم كاملةً؛ غير أنه يُوفّر احتياطيًا طارئًا للطاقة يُبطئ التدهور المعرفي ويُمدّد نافذة الأداء الذهني في الأوقات التي يتعذّر فيها الحصول على قسط كافٍ من النوم.
لذا؛ يعتبر الحرص على عادات نوم صحية الركيزة الأساسية لصحة الدماغ، فيما يؤدي الكرياتين دور الخطة الاحتياطية حين تضيق الخيارات.
