العلاج بالتستوستيرون.. هل يُنقِذك هرمون الذكورة من السمنة؟
لا تتوقّف عضلاتك عن حرق السعرات الحرارية على مدار الساعة، وكُلّما استثمرت فيها بتمارين وتغذية مناسبة، وزادت كُتلتها، زاد حرق السعرات معها.
لكن ما يتحكّم في كُتلة العضلات ليست التمارين ولا التغذية فحسب، بل هو هرمون التستوستيرون الذي يعزّز تلك الكُتلة ويحافظ عليها، والذي قد يؤدي نقص مستوياته إلى انخفاض تلك الكُتلة العضلية، وربّما تراكُم الدهون؛ خصوصًا حول البطن.
فهل يمكِن استخدام التستوستيرون علاجًا للسمنة؟ وما شروط استخدامه لهذا الغرض تحديدًا؟
العلاقة بين هرمون التستوستيرون ووزن الرجال
التستوستيرون هو هرمون الذكورة الذي يعزّز تخليق البروتين، ويُسهِم في بناء كتلة العضلات والحفاظ عليها، والتي كُلّما زادت، تمكّن جسمك من حرق مزيدٍ من السعرات الحرارية، بينما لو انخفضت كُتلة العضلات لديك، ربّما تُصبِح أكثر عرضةً لتراكُم الدهون في جسمك؛ إذ لا تحرق السعرات الحرارية بالقدر المُعتاد.
وانخفاض هرمون التستوستيرون مرتبِط بانخفاض كُتلة العضلات عند الرجال، ما قد يُسهِم في زيادة تخزين الدهون؛ خصوصًا حول البطن.
ويظنّ بعض الباحثين أنّ انخفاض كُتلة العضلات هو السبب الرئيس وراء زيادة الوزن غير المُتعمَّدة لدى الرجال. وحسب دراسة عام 2010 في دورية "Obesity"، فإنّ الرجال الذين يعانون السمنة المفرطة كانوا أكثر عرضةً لنقص هرمون التستوستيرون بنحو 8 أضعاف مقارنةً بالرجال ذوي الوزن الصحي.
كما أشارت دراسة أخرى عام 2012 في دورية "Obesity Surgery" إلى أنّ أكثر من ⅔ الرجال المصابين بالسمنة المفرطة يعانُون قصور الغدد التناسلية، أو نقص هرمون التستوستيرون.
كيف تؤدي السمنة إلى نقص هرمون التستوستيرون؟
نعم السمنة ذاتها قد تُسهِم في نقص هرمون التستوستيرون، فقد أظهرت دراسة عام 2025 في دورية "The Journal of Clinical Endocrinology and Metabolism"، أن الدهون الحشوية الزائدة تُسهِم في خفض مستويات هرمون التستوستيرون؛ إذ تمتلك الدهون مستويات عالية من إنزيم الأروماتاز، الذي يُحوِّل التستوستيرون إلى هرمون الاستروجين؛ إذ تبيّن أيضًا أنّ مستويات هرمون الاستروجين أعلى لدى الرجال الذين يعانُون السمنة.
ويُجهِز هرمون الأنوثة على ما تبقّى من التستوستيرون؛ إذ تؤدي زيادة مستويات هرمون الاستروجين إلى تقليل إنتاج الهرمونات المُتحكِّمة في إطلاق هرمون التستوستيرون من الخصية، ما يُفضِي بالنهاية إلى انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال.
ما هو العلاج ببدائل التستوستيرون (TRT)؟
العلاج ببدائل التستوستيرون هو علاج بوصفة طبية يُوصَف للرجال الذين يعانون انخفاض هرمون التستوستيرون، أو ما يُعرَف "بقصور الغدد التناسلية"؛ خصوصًا لو كانت هُناك أعراض بالفعل.
وتتأكّد معاناة الرجل من هذه المشكلة الهرمونية عندما تهبط مستويات هرمون التستوستيرون دون 300 نانوجرام لكل ديسيلتر.
ويهدف العلاج ببدائل التستوستيرون إلى استعادة المستويات الطبيعية لهرمون الذكورة، التي تراوح بين 450 إلى 600 نانوجرام لكل ديسيلتر.
العلاج بالتستوستيرون وفقدان الوزن
من المنطقي أن يُسهِم العلاج بالتستوستيرون في التغلب على السمنة، وقد درس الباحثون العلاقة بين العلاج ببدائل التستوستيرون والوزن على الأمد الطويل، لدى الرجال المصابين بالسمنة وانخفاض هرمون التستوستيرون؛ إذ أدّى هذا النوع من العلاج إلى انخفاض كبير في وزن الجسم ومُحِيط الخصر ومؤشر كتلة الجسم، حسب دراسة عام 2025 في دورية "Biomolecules".
ولكن التستوستيرون لم يفعل ذلك باستعادة الكُتلة العضلية، بل بنشاطه الأيضي؛ إذ إنّه يُنظِّم كيفية استخدام جسمك للطاقة وتخزين الدهون، وحسب دراسة عام 2022 في دورية "Frontiers in Endocrinology"، فإنّ تحسّن وزن الجسم وبِنيته كانت بسبب النشاط الأيضي لهرمون الذكورة.
إذًا لماذا لا نعتمد على التستوستيرون علاجًا للسمنة؟
ربّما تمكّن العلاج بالتستوستيرون من تحسِين بنية الجسم والتخلّص من بعض الدهون، لكن الأدلّة على استخدامه دواءً مستقلًا لإنقاص الوزن ليست كبيرة، فهو غير مُصمّم لمعالجة السمنة.
فمثلًا وجد أحد التحليلات التلوية المنشورة عام 2024 في دورية "International Journal of Molecular Sciences" انخفاضًا في محِيط الخصر وتحسّنًا في الأيض لدى الرجال الذين يتلقّون علاجًا ببدائل التستوستيرون.
ومع ذلك شدّد الباحثون على أنّ هذه التغييرات لا تُترجَم تلقائيًا إلى فقدانٍ كبير للوزن عمومًا، وربّما يكون ذلك ناجمًا عن نشاط التستوستيرون في بناء العضلات، ومِنْ ثمّ فقد يُعوِّض ذلك فقدان الدهون عند قياس إجمالي وزن الجسم.
التستوستيرون أقل فاعلية من تغييرات نمط الحياة
كذلك في تجربة عشوائية أخرى -منشورة عام 2025 في دورية "Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism"- تضمّنت تحليل 83 رجلًا تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكثر، ويعانُون السمنة وانخفاض هرمون التستوستيرون، وشاركوا في نظام غذائي مُحدَّد وبرنامج تمارين رياضية.
وحسب نتائج التجربة، فإنّ العلاج ببدائل التستوستيرون قلّل دهون الجسم، ولكنّه لم يُؤدِّ إلى فقدان وزنٍ أكبر، مقارنةً بتغييرات نمط الحياة وحدها؛ ما يدلّ على أنّ العلاج بالتستوستيرون قد يكون أقل فاعلية من تغييرات نمط الحياة على صعيد إنقاص الوزن.
متى يمكِن استخدام التستوستيرون علاجًا للسمنة؟
لا يُوصَى باستخدام هرمون التستوستيرون علاجًا إلّا في حالة انخفاض مُثبَت سريريًا في مستوياته أو في حالة السمنة المرتبطة بقصور الغدد التناسلية وما يصحبها من أعراض أخرى، حسب ما ذكرته دراسة عام 2025 في دورية "Cureus".
ولكن من المهم أن تُدرِك أيضًا أنّ التستوستيرون يعمل بشكلٍ أفضل في فقدان الوزن حين يقترن بنظام غذائي مناسب وروتين تمارين رياضية ونومٍ جيّد، ونمط حياة يخلو من التوتر قدر الإمكان، والأهمّ قبل كلّ ذلك أن يُوصَف التستوستيرون لحالات السمنة المرتبطة بقصور الغدد التناسلية من قِبل طبيبٍ مُختصّ.
الآثار الجانبية للعلاج بالتستوستيرون
أمّا الآثار الجانبية التي قد يُسبّبها العلاج بالتستوستيرون، فتشمل:
- حب الشباب.
- احتباس السوائل في الجسم، بما قد يؤدي إلى تورّم الكاحل.
- التثدّي أو ألم الثدي.
- مشكلات النوم.
- نقص عدد الحيوانات المنوية، ما قد يُسهِم في ضعف الخصوبة.
نصائح لتحسين مستويات التستوستيرون لديك طبيعيًا
سواء جرّبت العلاج بالتستوستيرون أم لم يُوصَف لك، تبقى هناك بعض النصائح الأساسية لتعزيز مستويات التستوستيرون، والتي قد يساعدك بعضها أيضًا على إنقاص الوزن، مثل:
1. رفع الأثقال
يمكِن لتدريبات القوة أن تعزّز مستويات هرمون التستوستيرون مؤقتًا؛ خصوصًا التمارين المُركّبة، مثل الاندفاع (Lunges)، والقرفصاء (Squats)، والرفع الميت (Deadlift)، حسب دراسة عام 2004 في دورية "International Journal of Neuroscience".
ورغم أنّ هذا التأثير لا يدوم طويلًا، فإنّك كُلّما دمجت تمارين القوّة في روتينك اليومي، تحسّنت مستويات التستوستيرون لديك.
2. نَم جيدًا
يبلغ إنتاج هرمون التستوستيرون ذروته في منتصف الليل، ولا يبدأ في الانخفاض إلّا في الصباح، فإنْ كُنت تنام 5 ساعات في الليلة لمدة أسبوع فقط، فقد يتسبّب ذلك في خفض إنتاج هرمون التستوستيرون خلال النهار بنسبة تراوح بين 10 - 15%، حسب دراسة عام 2011 في دورية "JAMA"، لذا يُوصَى بالنوم 7 ساعات على الأقل كلّ ليلة.
3. النظام الغذائي المُعزِّز للتستوستيرون
يُفضّل تناول الأطعمة الصحيّة كُلّما وسعك ذلك، مثل الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والمكسرات والبروتينات الخالية من الدهون، كما أنّ هناك عناصر غذائية أشدّ أهمية من غيرها فيما يتعلّق بهرمون التستوستيرون، مثل المغنيسيوم والزنك وفيتامين د، ومِنْ ثمّ يُفضّل أيضًا تناول الأطعمة الغنية بها.
4. تجنّب التوتر قدر الإمكان
يُبقِيك التوتر المزمن في حالة تأهّب مستمر؛ إذ يرفع مستويات الكورتيزول لديك، ما يُفضِي إلى خفض مستويات هرمون التستوستيرون، لذا حاول أن تتجنّب التوتر ما استطعت، وربّما يُعِينك على ذلك بعض تقنيات إدارة التوتر، مثل المشي أو قضاء بعض الوقت في الطبيعة أو تمارين التنفّس.
ختامًا، قد ينجح العلاج بالتستوستيرون في التخلّص من الدهون، لكن في حالةٍ مُحدّدة؛ وهي نقص هرمون التستوستيرون أو قصور الغدد التناسلية، وبوصفٍ طبي، ومع ذلك يظلّ العلاج قاصِرًا عن بلوغ تلك الغاية وحده، ولا ينبغي أن يُعتمَد عليه بمعزلٍ عن نمط حياةٍ صحي.
