كيف حوّلتنا الحياة الحديثة إلى مدمنين دون أن نشعر؟
متى كانت آخر مرة جلست فيها وحدك بعيدًا عن ضوضاء إشعارات هاتفك أو متابعة أحدث المنتجات على متجر إلكتروني أو ربّما لُعبة الفيديو التي لا تملّ منها؟
ربّما شغلك كلّ ذلك عن الاستمتاع بأمورٍ أخرى في الحياة، ولكن هل كان انشغالك بها أمرًا متعمّدًا منك أم أنّ سحرها وجاذبيتها جعلتك مُدمِنًا عليها دون أن تشعر؟
لم تُصمّم عقولنا للتعامُل مع هذا الكمّ من المُدخَلات التي تُثِير مسارات المكافأة فيها كلّ يوم، وهو ما قد يجعلنا تلقائيًا نُدمِن الشراء أو اللعب أو حتى تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، فكيف حدث هذا بالضبط؟ وكيف تستعيد الهدوء وسط كل هذا الضجيج؟
لماذا البشر أكثر عرضة للوقوع في فخّ الإدمان؟
دائمًا ما كان بقاء الإنسان على قيد الحياة مرهونًا بدافع أساسي، وهو البحث عن المُتعة وتجنّب الألم، ومِنْ ثمّ فعندما نفعل شيئًا مفيدًا، مثل تناول الطعام عند الجوع، أو البحث عن مأوى عند الإحساس بالبرد، يُفرِز الدماغ الدوبامين، ما يجعلنا نشعر بالسعادة، ونميل إلى تكرار السلوك نفسه مجددًا.
وقديمًا لم يكُن معروضًا أمامنا كلّ شيء كما هو الحال اليوم، ومِنْ ثمّ كان الاستمرار في فعل الأشياء التي تفرِز الدوبامين ربّما يقتصر على الأمور المهمة أكثر من غيرها.
ولكن في العصر الحديث، بات كلّ شيء من حولنا يدفع أدمغتنا إلى إفراز الدوبامين، كالأطعمة السكرية والوجبات الخفيفة المُعبّأة، والوسائط الرقمية، وحتى الشراء الإلكتروني، فقد صُمِّم كلّ شيء تقريبًا لرفع الدوبامين بسُرعة وقوة في أدمغتنا، ربّما لا تفعلها الأشياء الطبيعية.
سيكولوجية الإدمان.. كيف يتلاعب الدوبامين بعقولنا؟
وعندما تتسبّب السلوكات المُسبّبة للإدمان في زيادة مبالَغ فيها في الدوبامين بصورةٍ متكررة، يُعوِّض الدماغ ذلك عن طريق تقليل عدد وحساسية مستقبِلات الدوبامين، ومِنْ ثمّ يُصبِح الشعور بالمُتعة أصعب، ما يعني الحاجة إلى تحفيز الدوبامين بقدرٍ أكبر؛ أي تكرار السلوك الذي حفّزه للمرة الأولى ربّما بكثافة أكبر، لاستعادة مستوى المُتعة نفسه في المرة الأولى، فالدماغ قد تكيّف مع الأمر، وبات بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التحفيز كي يستجيب كما كُنت تتوقّع.
إدمان التسوّق.. لماذا لا تستطيع التوقف عن الشراء؟
ربّما التسوّق لم يعُد مقتصرًا اليوم على شراء الحاجات الأساسية، بل امتدّ ليستهلك ما في جيوبنا مقابِل المُتعة قبل الحاجة الحقيقية.
فإدمان التسوق هو في طبيعته شراء قهري من أجل الإحساس بالرضا وتجنّب المشاعر السلبية، كالقلق والاكتئاب، وإذا امتدّ أثره إلى الجوانب الأخرى من حياتك، فربّما أصبح إدمانًا دون أن تشعر.
ويُعدّ هذا الإدمان هو الأكثر قبولًا اجتماعيًا، فنحن بالفعل محاطون بالإعلانات التي تُخبِرنا أنّ الشراء سيجعلنا سُعداء، فلماذا نُقاوِم بينما الدفع للشراء بات أسهل بضغطة زر فحسب؟
ولكن قبل أن تتوقّف عن الشراء خشية أن تكون مُدمِنًا، ينبغي أن تعلم أنّ للتسوق الإدماني سمات واضحة مختلفة عن التسوق الطبيعي، التي تضمّ -حسب "Verywell mind"-:
- أن يكون الشراء في كثير من الأحيان لعناصر لست بحاجةٍ إليها على الحقيقة.
- سلوك قهري للشراء.
- ينجم عنه مشكلات مالية بالنسبة لك.
ترقّب وصول الشُحنة.. عندما يختبئ الإدمان خلف زر الشراء
لم يتوقّف الدوبامين عن التلاعُب بك منذ أنّ اطلعت على المنتَج الذي تودّ شراءه، بل استمرّ في رحلته معك بينما تنتظر شُحنتك التي طلبتها تطرق بابك.
فعِندما تطلب مُنتجًا ما، فإنّ عقلك يبني تلقائيًا توقّعًا بمدى الإثارة والرضا الذي سيكون عليه الأمر بمُجرّد استلامه، وهذا التوقّع يُبقِي مستوى التحفيز والإثارة في قمّته.
ويُكافِئك عقلك بارتفاع مستوى الدوبامين، ليس بسبب ما طلبته، ولكن بسبب الشعور الجيّد الذي تشعر به عندما تتوقّع استلام الطلب.
ولكن عندما يصل طلبك أخيرًا، وما لم يكُن مُرضِيًا لك كما تخيّلته، فسوف يواجِه دماغك نتيجة فعلية أسوأ مما توقّعه، بل لا ترقى إلى مستوى التوقّعات العالية التي ضُخِّمت بفعل الدوبامين، ما قد يؤدي إلى خيبة الأمل.
وهذا لا يحدث معك وحدك، فإنّ 96% من المتسوّقين يتتبعون شُحنتهم بنشاط في أثناء انتظار وصولها إلى أبوابهم، فعقلك يحشد قواه العاطفية في الإثارة والمُتعة المتخيّلة حتى قبل الحصول على المكافأة وهي المُنتَج الذي طلبته.
من التصفح السلبي إلى إدمان وسائل التواصل الاجتماعي
ربّما لم تصِل إلى المنتَج ذلك إلّا من خلال تمريرك عبر هاتفك متصفّحًا وسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهِر لك إعلانات بين الحين والآخر.
وقد وجدت هيئة مُحلّفين في كاليفورنيا خلال العام الحاليّ أنّ شركتَي ميتا وجوجل مسؤولتان عن تصميم منصات التواصل الاجتماعي (أي إنستجرام ويوتيوب) من خلال هندسة ميزات لتعزيز السلوك القهري، وذلك بعد أن أضرّت الصحة العقلية لامرأة شابة تبلغ من العُمر 20 عامًا، وحصلت المرأة المعروفة باسم "كالي" على تعويضات قدرها 6 ملايين دولار.
ويُعدّ المراهقون أكثر عرضةً لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب التفاعل الفريد بين الدماغ النامِي وطبيعة تصميم منصات التواصل الاجتماعي.
وخلال فترة المراهقة، يُكوِّن الشباب هويتهم ويتعلّمون كيفية التواصل مع الآخرين، ولا يرون سوى الهويّات المُنسّقة لأقرانهم، ومِنْ ثمّ فمن المرجّح أن يزيد ذلك مشاعر النقص لديهم، ما يدفعهم إلى التفاعل بوتيرةٍ أكبر عبر تلك المنصّات.
ولكن ربّما لم نقع فريسة لتلك المنصّات إلّا بفعل التصفّح السلبي (Doomscrolling)؛ الذي قد يكون أول ما تفعله عندما تستيقظ في الصباح؛ إذ تُمسِك هاتفك وتتصفّح الأخبار.
وقد أظهرت مراجعة بحثية عام 2023 في مجلة "Applied Research in Quality Life"، بعد أن حلّلت ثلاث دراسات منفصلة شملت نحو 1,200 شخص بالغ، أنّ التصفح السلبي مرتبط بتدهور الصحة النفسية والرضا عن الحياة.
وربّما كان لسهولة التمرير عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب التدفق المستمر للمحتوى دور في التصفح السلبي.
إدمان ألعاب الفيديو.. حين تتحوّل المُتعة إلى استنزاف صامِت
لا يزال الدوبامين ينتقل من وسيلة إلى أخرى. التأثير نفسه، ولكن عبر وسائط مختلفة، والآن يأتي دور ألعاب الفيديو لتُشكّل جانبًا من الإدمان الذي قد نغفل عنه.
وقد صنّفت منظمة الصحة العالمية "اضطراب الألعاب" في الطبعة الحادية عشرة من تصنيفها الدولي للأمراض (ICD-11)، الذي يصِف الاضطراب بأنّه يؤدي إلى إعطاء الأولوية للألعاب على الاهتمامات والأنشطة الأخرى، كالعلاقات الشخصية أو العمل.
ولكن متى تحديدًا تتحوّل مُتعة ألعاب الفيديو إلى إدمان؟ ربّما العلامات الآتية توضّح لك:
- يُخصّص الأفراد المصابون باضطراب الألعاب عادةً من 8 إلى 10 ساعات يوميًا للألعاب، وما لا يقل عن 30 ساعة في الأسبوع.
- يمتدّ تأثير إدمان ألعاب الفيديو إلى جميع أنواع العلاقات، بما في ذلك العلاقات الرومانسية، وربّما لا يرى اللاعب تأثير لعبه فيمن حوله.
- يرتبط الإنفاق داخل اللعبة ارتباطًا وثيقًا بإدمان الألعاب، وربّما يكون الضغط المالي للمرء جراء ذلك من نتائج الإدمان.
ورغم أنّنا قد نهرب من ضجيج الحياة والمسؤوليات لنلهو قليلًا ببعض الألعاب، فإنّ الألعاب ذاتها مُصمّمة بجاذبية عالية وبطريقة تُحفّزك على الاستمرار في اللعب بلا توقّف.
فبينما تتعرّض باستمرار لفترات طويلة من المكافآت الفورية وطلعات الدوبامين التي لا تتوقّف، فإنّ الدماغ تلقائيًا يُقلّل عدد مستقبِلات الدوبامين بمرور الوقت، ما يدفعنا إلى مزيدٍ من اللعب بحثًا عن المُتعة التي شعرنا بها في البداية.
كيف تستعِيد الهدوء والسيطرة بأسلوب الحياة البطيئة؟
ما سبق من أشكال الإدمان قد لا يكون له دواء مُحدّد كما في إدمان المواد المُخدِّرة، وربّما حين تحاوِل التوقف عن أي فعل تواجِهك أعراض انسحاب يصعب مقاومتها، فسُرعان ما نعود إلى ما يضرّنا من جديد.
ولكن قد يكون أسلوب الحياة البطيئة طوق نجاة لاستعادة الهدوء والتوازن ولو قليلًا، فهو أسلوب يؤكّد على البطء من أجل الاستمتاع بالحياة على أتمّ وجه، ويشجّعنا على أن نكون حاضرِين في كل تفصيلة في حياتنا اليومية، بدلًا من التسرّع في القيام بالأشياء دون تفكير.
ويمكِن تلخيص تلك الفلسفة في النقاط البسيطة الآتية:
- خُذ وقتًا للتفكير في يومك: خصّص بضع دقائق في نهاية كل يوم لمراجعة ما أنجزته، ومن تفاعلت معه، وكيف سار يومك عمومًا.
- تناول الطعام بوعي: بأن تقضي مزيدًا من الوقت في تذوّق كل قضمة والاستمتاع بنكهات طعامك.
- خصّص وقتًا لنفسك: حدّد فترات راحة منتظمة طوال اليوم، للقيام بشيءٍ يُسعِدك، أو للاستمتاع فقط بلحظات من الهدوء بعيدًا عن كلّ شيءٍ من حولك.
- اقضِ بعض الوقت في الطبيعة: سواء بالذهاب في نزهة على قدمَيك، أو حتى قضاء بضع لحظات في الهواء الطلق.
- استمتع بالأشياء الصغيرة: مثل مشاهدة غروب الشمس، أو قراءة الكتب، أو قضاء وقت مع حيوانك الأليف.
- توقّف لإعادة الشحن: أيًا كان ما تفعله ويشغل وقتك، ربّما تحتاج في لحظةٍ ما إلى التوقّف ومنح نفسك الوقت اللازم للراحة وإعادة الشحن.
خلاصة القول قد تكون الحياة الحديثة بسُرعة وتيرتها جعلتنا مُدمنِين لكثيرٍ من الأمور، وربّما جعلتنا أسرى للدوبامين يتلاعب بنا كيف شاء، ولكن كما أنّ لكل داءٍ دواءً، فربّما إبطاء الوتيرة والاستمتاع بكلّ لحظة في يومك مهما كانت بسيطة بعيدًا عن كلّ الضجيج يستعيد هدوء عقلك واتّزانه.
