المكملات الغذائية.. ضرورة صحية أم تأثير تسويقي؟
لم تعُد المكملات الغذائية اليوم محصورة في الفيتامينات والمعادن، بل امتدّت لأعشابٍ وعناصر غذائية أخرى ذات فوائد مُحدّدة، كالميلاتونين من أجل النوم، أو كو كيو 10 لدعم الطاقة، علاوة على تركيبات المُكمّلات المُخصّصة لدعم صحة الشعر أو البشرة أو غير ذلك.
وقد يحتاج الرجل إلى تناول مكمل غذائي لأي هدفٍ صحي، ولا سيما مع تنامي سُوق المكملات الغذائية وتوقّع أن يستمرّ في النمو مستقبلًا. فلماذا يزداد اعتمادنا على المكملات الغذائية كلّ يوم رغم أنّها لا تشفي من مرض؟ ومتى تكون ضرورية حقًا؟ وكيف نختار مكملًا غذائيًا موثوقًا به؟
حجم سوق المكملات الغذائية عالميًا
بلغت قِيمة سوق المكملات الغذائية 100.92 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المُتوقّع أن ينمو السوق ويصل إلى نحو 219.31 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2034، بمُعدّل نمو سنوي مُركّب (CAGR) قدره 9.11%. وقد سيطرت منطقة آسيا والمحيط الهادئ على سوق المكملات الغذائية العالمية بحصّة سُوقية بلغت 42% عام 2025.
وتُعدّ شركات، مثل Abbott وNestle S.A من أبرز اللاعبين الرئيسين العاملين في هذا السوق؛ إذ تستثمر الشركات في ابتكار المنتجات واعتماد استراتيجيات مبيعات وتسويق فاعِلة تعزّز المبيعات ونموّ سوق المكملات الغذائية.
لماذا يزداد الاعتماد على المكملات الغذائية؟
أسباب مُتعدِّدة تقِف وراء الاستهلاك المُتزايد للمكملات الغذائية عالميًا؛ لعلّ من أبرزها:
1. وسائل التواصل الاجتماعي
تؤثّر وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك المشاهير على قرارات الجمهور بشأن تناول المكملات الغذائية؛ إذ إنّ منصات مثل إنستجرام وفيسبوك وتيك توك قد تعزّز توجهات معيّنة، وربّما تجعل منشورًا دعائيًا واحدًا عن المكملات الغذائية ينتشر على نطاقٍ واسع.
والمستهلِكون ينجذبون بطبيعتهم إلى الادّعاءات التي تغيّر حياتهم وتوفّر نتائج مذهلة، وغالبًا ما يخلطون بين مظهر المُروِّج، خصوصًا لو كان من المشاهير، والمنتَج نفسه.
2. الاقتراب من كلّ ما هو طبيعي
كذلك النهج الذي يسود معظم الناس اليوم في الاعتماد على المركبات الطبيعية بدلًا من الصناعية لتحسين الصحة، فهذا يُشكّل دافعًا بذاته لشراء المكملات الغذائية.
وحسب تقرير صادر عام 2017 عن مركز بيو للأبحاث، أفاد نِصف الأمريكيين أنّهم جرّبوا شكلًا من أشكال الطب البديل؛ غالبًا بدلًا من الطب التقليدي، وأصبحت صناعة العافية التي تهتمّ بالأساليب غير الطبية للصحة الشخصية الآن مؤسّسة تبلغ قِيمتها تريليون دولار.
3. تبعات جائحة كوفيد-19
ربّما يكون القلق الصحيّ المستمر بعد جائحة كوفيد-19 عزّز الاهتمام بالعافية الوقائية، ويبدو أنّ المكملات الغذائية بمثابة طريق مُختصَر وسريع بالنسبة للمستهلكين لتعزيز الصحة.
ولكن لا يزال تأثير جائحة كوفيد-19 على استخدام المكملات الغذائية على مستوى سكّان الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا غير واضح المعالِم، ومِنْ ثمّ يظلّ الأمر تخمينًا بناءً على مُعطيات الماضي القريب أكثر منه مبنيًا على إحصاءات دقيقة.
4. انتشار الأمراض المرتبطة بالعُمر ونمط الحياة
أيضًا مع تزايُد الأمراض المرتبطة بالعُمر ونمط الحياة، أصبح المُستهلِكون على دراية بتدابير الرعاية الصحيّة الوقائية، ويميلون أكثر إلى المنتجات المفيدة للصحة، مثل المكملات الغذائية، ومِنْ ثمّ يُتوقّع أن يزداد الطلب عليها مستقبلًا.
5. الاهتمام بكمال الأجسام
في عصر الصُّورة، والرغبة المتصاعدة في التمتّع بجسمٍ متناسق، والذهاب إلى صالات الألعاب الرياضية والحرص على اقتناء المكملات التي تُظهِر الجسم في أفضل حالاته، من الطبيعي أن يزدهر سُوق المكملات الغذائية، خصوصًا مع توافر مكملات قد تعزّز الأداء والقدرة على التحمّل خلال التمارين.
أخطار الإفراط في تناول المكملات
إذًا من غير المُتوقَّع أن يتراجع سوق المكملات الغذائية، ولذا من السهل أن نتناول كثيرًا من المكملات الغذائية دون دراية بأخطارها الحقيقية، علمًا أن الإفراط في تناولها قد يرتبط بمشكلات صحيّة، مثل:
1. التفاعلات الدوائية
قد يؤدي تناول جرعات عالية من بعض المكملات الغذائية إلى تأثُّر قدرة الجسم على امتصاص الأدوية الموصوفة، لذا يجب توخي الحذر قبل تناول المكملات الغذائية تزامنًا مع الأدوية الموصوفة لمشكلات صحية، مثل:
- أمراض القلب: قد يقلّل فيتامين ك من فاعلية الأدوية المميّعة للدم، مثل وارفارين، ما قد يزيد خطر الإصابة بجلطات دموية، ومِنْ ثمّ نوبة قلبية أو سكتة دماغية.
- السرطان: قد تتفاعل فيتامينات سي وهـ مع بعض علاجات السرطان، لذا يجب استشارة فريق رعاية مرضى السرطان قبل تناول أي مكمل غذائي.
- الاكتئاب: فتناول نبتة سانت جون قد يؤثّر في فاعلية أدوية الاكتئاب أو غيرها من الأدوية.
2. التسمّم بالفيتامينات
يحدث تسمّم الفيتامينات عندما تتراكم كميات زائدة من الفيتامينات في جسمك، خصوصًا عند تناول جرعات كبيرة أو متكرّرة من المكملات الغذائية، وتضمّ أهم علامات سُمّيّة الفيتامينات والمعادن الشائعة:
- فيتامين أ: التهيّج، والتعب، والغثيان، وتلف الكبد.
- الكالسيوم: الغثيان، والقيء، وضعف العضلات، والارتباك.
- فيتامين د: الغثيان، والقيء، والإمساك، والضعف، وارتفاع ضغط الدم.
- الحديد: الإمساك، والغثيان، وألم البطن، وقرح المعدة.
- الزنك: الغثيان، والقيء، والإسهال، وانخفاض ضغط الدم، والطفح الجلدي.
3. تلف الكلى
قد تؤدي بعض الأدوية والمكملات الغذائية إلى تلف الكلى، خصوصًا مع تناول بعض المكملات الغذائية بجرعات عالية جدًا، مثل جذر عرق السوس ونبتة سانت جون، وينطبق هذا بصورةٍ أخصّ في حالة المعاناة من أمراض الكلى بالفعل.
كما بيّنت دراسة عام 2016 في المجلة الأمريكية لأمراض الكلى "American Journal of Kidney Disease" أنّ تناول الكثير من فيتامين سي قد يزيد احتمالية الإصابة بحصى الكلى لدى بعض الأشخاص.
متى تكون المكملات ضرورية حقًا؟
أحيانًا تكون المكملات الغذائية ضرورية حقًا، كما في حالة المعاناة من بعض المشكلات الصحيّة التي تؤثّر في قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية، فمثلًا قد يواجِه كبار السن صعوبة في إنتاج ما يكفي من فيتامين د أو فيتامين ب12 طبيعيًا.
كذلك الرياضيّون قد يكونون بحاجةٍ إلى كميات إضافية من البروتين أو مكملات غذائية أخرى، خصوصًا في حالة التدريبات المُكثّفة لدعم الأداء.
أمّا في حالة اتّباع أنظمة غذائية لإنقاص الوزن، مثل الرجيم النباتي، فقد يفتقِر مُلتزِمو الرجيم إلى عناصر غذائية رئيسة، مثل فيتامين ب12 والكالسيوم، ما يستدعي تناول مكملات غذائية تُعوّض النقص.
كيف تختار مكملًا غذائيًا موثوقًا؟
إذًا قد تضطر في بعض الأحيان إلى تناول المكملات الغذائية، ولكن في تلك الحالة ينبغي أن تتأكّد من جودة المكمل الغذائي الذي تختاره، وفيما يلي بعض العوامل التي قد تساعدك:
1. احذر الوعود الكبيرة والادعاءات المُبالَغ فيها
المكملات الغذائية لا تعالِج أو تقي أو تشفي من أمراض، فهي مختلفة تمامًا عن الأدوية، وفيما يلي بعض العلامات التي ينبغي حينها أن تحذر من تناول المكمل الغذائي:
- الادّعاء أنّه يعالِج مرضًا.
- يُروّج لقصص نجاح شخصية، وهي قصص يسهل اختلاقها وليست مثل الأدلّة السريرية.
- يعِدك بحلٍ سريع، مثل فقدان 15 كيلوجرامًا من الوزن في أسبوعين.
- يتضمّن المُلصق عبارة "نقي 100%" أو "طبيعي بالكامل".
- يُعلَن عنه على أنّه اكتشاف جديد أو معجزة علمية.
- يتضمّن الملصق عبارة "مُعتمَد من إدارة الغذاء والدواء".
2. تعرّف إلى ما ينبغي البحث عنه في ملصقات المكملات الغذائية
ملصقات المكملات الغذائية هي أفضل مصدر للمعلومات بشأن المكمل الغذائي؛ لذا تأكّد من أنّ الملصق يحتوي على العناصر الآتية:
- اسم المُنتَج.
- جُملة "مكمل غذائي".
- اسم وموقع الشركة المُصنِّعة.
- لوحة "حقائق المكمل الغذائي" التي تسرد أسماء وكميات جميع المكونات النشطة وحجم الحصة، وعدد الحصص لكل حاوية.
- بيان المكونات الذي يسرد جميع المكونات غير النشطة.
وإذا كانت أي من المعلومات المذكورة أعلاه مفقودة، فيجب تجنّب المنتَج.
3. استشارة الطبيب أو الصيدلي
لا يحتاج معظم الناس إلى تناول مكملات غذائية ما داموا يتناولون نظامًا غذائيًا متوازِنًا، ومع ذلك فهناك عوامل قد تزيد خطر انخفاض مستويات الفيتامينات والمعادن، مثل:
- الحمل.
- مرض التهاب الأمعاء.
- تناول بعض الأدوية.
وأفضل طريقة لمعرفة ما إذا كانت لديك مستويات منخفضة من العناصر الغذائية الأساسية هي التحدّث إلى اختصاصي الرعاية الصحية، لإجراء الفحوصات المطلوبة والتحقّق من وجود أي نقص، والتوصية بالفيتامينات التي قد تحتاج إليها.
ختامًا، لا يُتوقّع مستقبلًا أن يقلّ الطلب على المكملات الغذائية، بل على العكس قد يزداد خصوصًا مع ترويج منصّات التواصل الاجتماعي والرغبة في الاقتراب من كلّ ما هو طبيعي، علاوة على ما خلّفته جائحة كوفيد-19 وراءها. وعندما تحتاج إلى اختيار مكمل غذائي تأكّد من ملصق الحقائق عليه وأنّه لا يعِد بعلاج أو وقاية، والأفضل دومًا أن يكون تناول المكمل الغذائي بعد استشارة المُختصِّين.
