هل يدفع الخوف من الانفصال إلى إنجاب مزيد من الأطفال؟
كثيرًا ما ارتبطت نظرية التعلق في علم النفس بالحديث عن جودة العلاقات العاطفية والاستقرار الأسري، باعتبارها أحد المفاهيم الأساسية التي تفسر طريقة ارتباط الأفراد بشركائهم وتأثير ذلك في حياتهم النفسية والاجتماعية.
لكن دراسة حديثة نُشرت في المجلة الدولية لعلم النفس فتحت بابًا جديدًا للنقاش، بعدما كشفت عن وجود علاقة بين أنماط التعلق غير الآمنة وزيادة عدد الأطفال الذين ينجبهم الأفراد، في نتائج قد تعيد النظر في بعض الأفكار الشائعة حول مفهوم النجاح الأسري والإنجابي.
أسرار التعلق العاطفي
وتوضح نظرية التعلق أن التجارب المبكرة مع مقدمي الرعاية في مرحلة الطفولة تترك بصمتها على طريقة تفاعل الإنسان مع الآخرين طوال حياته.
ومن خلال هذه التجارب، يطور الأفراد تصوراتهم عن أنفسهم وعن المحيطين بهم، وهو ما ينعكس لاحقًا على علاقاتهم العاطفية والاجتماعية.
وتصنف أنماط التعلق عادة إلى أربعة أنواع رئيسية وهم؛ التعلق الآمن، والتعلق الخائف، والتعلق القلق أو المنشغل، والتعلق المتجاهل.
ويُنظر غالبًا إلى التعلق الآمن باعتباره النمط الأكثر استقرارًا، حيث يجمع بين الثقة بالنفس والقدرة على بناء علاقات متوازنة ومستدامة.
في المقابل، ترتبط الأنماط غير الآمنة بمستويات مختلفة من القلق أو التجنب أو الخوف من الرفض، وهي عوامل تؤثر في شكل العلاقات وطبيعة القرارات المرتبطة بالأسرة والإنجاب.
هل يرتبط نمط التعلق بعدد الأطفال؟
على مدار سنوات طويلة، افترضت عديد من الدراسات أن نمط التعلق الآمن هو الأكثر فائدة في مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك تكوين الأسرة.
لكن الباحثين أرادوا اختبار ما إذا كانت هذه الفكرة تنطبق أيضًا على النجاح الإنجابي، الذي يُقاس بعدد الأطفال الذين ينجبهم الفرد.
وقالت ماريان فيشر، أستاذة علم النفس ورئيسة كرسي سانتاماريان للأبحاث العلمية في جامعة سانت ماري في هاليفاكس، إن معظم النقاشات المتعلقة بنظرية التعلق تركز على الأمن العاطفي وجودة العلاقات، بينما يتم تجاهل تأثيرها المحتمل على الأجيال اللاحقة والنتائج الإنجابية.
وأضافت أن فريق البحث سعى لمعرفة ما إذا كانت أنماط التعلق لدى البالغين ترتبط بعدد الأطفال الذين ينجبهم الأشخاص، وما إذا كانت هذه العلاقة تظهر بالطريقة نفسها في ثقافات مختلفة حول العالم.
لاختبار هذه الفرضية، اختار الباحثون ثلاث دول تختلف بشكل واضح في معايير الأسرة ومعدلات الخصوبة، وهي اليابان وكندا والولايات المتحدة.
واعتمدت الدراسة على عينة ضخمة بلغت 15,120 مشاركًا، جرى توزيعهم بالتساوي بين الدول الثلاث، بواقع 5,040 مشاركًا من كل دولة.
كما حرص الباحثون على تحقيق توازن كامل بين الرجال والنساء، إلى جانب توزيع المشاركين على خمس فئات عمرية تبدأ من العشرينيات وتمتد إلى الستين عامًا فأكثر.
ووفقًا للباحثين، فإن هذا التصميم منح الدراسة قوة إحصائية كبيرة، وساعد على إجراء مقارنات دقيقة بين الأجيال المختلفة والبيئات الثقافية المتباينة.
استراتيجيات الإنجاب تحت المجهر
استند الباحثون في تفسيرهم إلى ما يُعرف بـ"نظرية تاريخ الحياة"، وهي إطار علمي يشير إلى أن البشر والكائنات الحية يطورون استراتيجيات مختلفة للتكاثر وفقًا لمدى استقرار البيئة المحيطة بهم.
ففي البيئات التي تتسم بعدم اليقين أو الاضطراب، قد تظهر ما يُعرف بالاستراتيجية السريعة، والتي تعتمد على إنجاب عدد أكبر من الأبناء مع استثمار أقل نسبيًا في كل طفل، أما في البيئات الأكثر استقرارًا، فتسود الاستراتيجية البطيئة التي تركز على عدد أقل من الأطفال مع تخصيص موارد ووقت أكبر لكل منهم.
وافترض العلماء أن الأشخاص ذوي التعلق الآمن قد يكونون أكثر ميلًا إلى الاستراتيجية البطيئة، خصوصًا في المجتمعات الفردية التي تتطلب استثمارات كبيرة في التربية والتعليم والرعاية.
قياس أنماط التعلق
أكمل المشاركون استبيانًا نفسيًا معياريًا يُستخدم على نطاق واسع لقياس أنماط التعلق لدى البالغين. وتضمن الاستبيان أربع فقرات تمثل الأنماط المختلفة للعلاقات، حيث طُلب من المشاركين تقييم مدى انطباق كل وصف عليهم باستخدام مقياس مكون من سبع درجات.
وأظهرت النتائج النهائية أن أنماط التعلق غير الآمنة ارتبطت في المتوسط بإنجاب عدد أكبر من الأطفال مقارنة بالأشخاص الذين يتمتعون بنمط تعلق آمن، مع وجود اختلافات تتأثر بالسياق الثقافي والاجتماعي لكل دولة.
وتشير هذه النتائج إلى أن النجاح الإنجابي لا يرتبط دائمًا بالنمط العاطفي الأكثر استقرارًا، بل قد يتأثر بمجموعة معقدة من العوامل النفسية والثقافية والبيئية التي تشكل قرارات الأفراد المتعلقة بالأسرة والإنجاب عبر مراحل حياتهم المختلفة.
