وهم السعادة الإنجابية.. دراسة تكشف المفاجأة وراء قرار "عدم الإنجاب"
لطالما ساد في المجتمعات الغربية والعربية على حد سواء مفهوم تقليدي يربط بين كثرة الأبناء وتحقيق الذات والاستقرار النفسي؛ إذ يميل معظم الأفراد في مرحلة الشباب إلى التخطيط لإنجاب طفلين أو أكثر كهدف عائلي مثالي.
لكن مع تغير الأنماط الاقتصادية والاجتماعية وتأخر سن الزواج، باتت فئة متزايدة من المجتمعات تواجه فجوة واضحة بين "عدد الأبناء المرغوب فيه" و"العدد الفعلي على أرض الواقع"، وهو ما يطلق عليه العلماء اسم "التباين الإنجابي".
وفي محاولة لفهم كيف يشكل هذا التباين الصحة النفسية للبالغين، قادت الدكتورة لورا بوشينجر، الباحثة البارزة في علم النفس بجامعة هومبولت في برلين، دراسة حديثة موسعة نشرت في مجلة (Journal of Personality).
وشملت الدراسة تحليل بيانات ما يقرب من 24,000 شخص، تراوح أعمارهم بين 18 و100 عام، لتسفر عن نتائج غير متوقعة تكسر الأفكار النمطية السائدة حول علاقة الإنجاب بالسعادة الشخصية.
المفاجأة: عدم الإنجاب لا يقلل مستويات الرضا
أبرز ما كشفته الدراسة هو دحض الفكرة القائلة بأن الأشخاص الذين لم ينجبوا أطفالاً يعيشون حياة أقل سعادة؛ حيث أظهرت البيانات أن البالغين الذين لم ينجبوا أطفالاً تمامًا، سواء كان ذلك قرارًا "طوعيًّا" برغبتهم الشخصية، أو نتيجة "ظروف لا إرادية" منعتهم من تحقيق ذلك، يمتلكون مستويات من الرضا العام عن الحياة، والرضا الوظيفي، والتوازن العاطفي تتطابق تمامًا مع أولئك الذين حققوا أهدافهم الإنجابية بالكامل.
وبمجرد تحييد العوامل المؤثرة الأخرى مثل مستوى الدخل، والحالة الوظيفية، والاستقرار الزوجي، تبين أن عدم وجود أطفال في حياة الرجل أو المرأة لا يقلل من جودة الحياة النفسية؛ بل إن بعض التحليلات الإحصائية أظهرت تمتع الأشخاص غير المستعدين للإنجاب بمستويات استقرار عاطفي أعلى نسبيًّا بسبب غياب الضغوط التربوية والمادية المباشرة.
العبء النفسي لتجاوز المستهدف الإنجابي
على الجانب الآخر، سلطت الدراسة الضوء على الفئة الأكثر تأثرًا من الناحية النفسية، وهم الآباء الذين تجاوزوا سقف أهدافهم الإنجابية؛ أي الذين أنجبوا أعدادًا من الأطفال تفوق ما كانوا يتمنونه أو يخططون له في البداية.
وأفادت النتائج بأن هذه الفئة تسجل بشكل مستمر انخفاضًا ملحوظًا في العوامل التالية:
مستويات الرضا العام عن الحياة.
جودة الاستقرار والرضا داخل الحياة الأسرية.
التوازن العاطفي اليومي "حيث تزداد وتيرة المشاعر السلبية كالعصابية، والقلق، والحزن مقابل المشاعر الإيجابية".
وتشير الباحثة لورا بوشينجر إلى أن هذا التراجع يعود إلى الضغوط المتزايدة المرتبطة برعاية الأبناء، والمسؤوليات المالية، وتراجع المساحة الشخصية المتاحة للوالدين، ما يؤثر على جودة الحياة اليومية ويخلق نوعًا من الندم غير المعلن تجاه قرار التوسع العددي للأسرة.
عامل السن يحسم مرونة التوقعات
أظهرت الدراسة أن عامل العمر يؤدي دورًا محوريًّا في كيفية التعامل مع الطموحات الإنجابية غير المحققة؛ فالشباب الذين يمتلكون أطفالاً أقل من العدد المثالي الذي يطمحون إليه لا يعانون أي تراجع في مؤشرات السعادة، نظرًا لامتلاكهم المتسع من الوقت والمستقبل لتحقيق أهدافهم.
أما بالنسبة لكبار السن الذين تجاوزوا مرحلة القدرة على الإنجاب، فإن الإخفاق في الوصول إلى العدد المستهدف من الأبناء يرتبط بتراجع طفيف في الرضا عن الحياة مع تقدم العمر.
وتؤكد البيانات أن التطابق التام بين الأمنيات الإنجابية والواقع الفعلي لا يتحقق بشكل مستقر إلا لدى الأفراد الذين بلغوا 75 عامًا فما فوق، حيث يميل الإنسان في هذه المرحلة المتأخرة إلى تقبل واقعه وتعديل سقف طموحاته الماضية ليتناسب مع ما حققه بالفعل.
