لماذا يحتاج الإنسان إلى الحب والاستقرار المادي معًا؟
لطالما دار الجدل حول ما إذا كان المال هو الطريق إلى السعادة، أم أن العلاقات العاطفية الناجحة هي العنصر الأهم في حياة الإنسان.
وبينما يرى البعض أن الاستقرار المادي يفتح أبواب الراحة والرفاهية، يؤكد آخرون أن الحب والدعم العاطفي هما الأساس الحقيقي للصحة النفسية.
لكن دراسة حديثة كشفت أن الإجابة قد لا تكون في اختيار أحدهما على حساب الآخر.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة العلاقات الاجتماعية والشخصية (Personal Relationships)، توصلت إلى أن العلاقة العاطفية المُرضية والشعور بالأمان المالي يسهمان بشكل مستقل في تعزيز الصحة العامة والرفاهية، وأن أحدهما لا يعوض غياب الآخر.
دور العلاقات العاطفية بانخفاض الاكتئاب
يعرف الباحثون منذ سنوات أن العلاقات العاطفية الجيدة ترتبط بانخفاض معدلات الاكتئاب وتحسن الصحة البدنية وارتفاع الرضا عن الحياة.
كما أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، الذي يشمل الدخل ومستوى التعليم والمكانة الاجتماعية، يرتبط عادة بصحة أفضل وضغوط أقل.
لكن معظم الدراسات السابقة كانت تتناول هذين العاملين بشكل منفصل؛ فبعضها ركز على الزواج والعلاقات العاطفية دون النظر إلى الوضع الاقتصادي، بينما اهتمت دراسات أخرى بتأثير الفقر والدخل على الصحة دون التعمق في الحياة الأسرية والعاطفية للأفراد.
لذلك سعى فريق البحث إلى معرفة ما إذا كانت فوائد العلاقات الجيدة تستمر حتى بعد أخذ الدخل والتعليم في الاعتبار، أم أن تأثيرها مرتبط بالاستقرار المالي فقط.
أهمية جودة العلاقات للصحة
وقالت هانا ويليامسون، الأستاذة المشاركة في علوم التنمية البشرية والأسرة بجامعة تكساس في أوستن والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن أبحاث العلاقات تؤكد منذ سنوات أهمية جودة العلاقات للصحة، لكنها غالبًا ما تتجاهل الوضع الاجتماعي والاقتصادي رغم كونه من أقوى المؤشرات المرتبطة بالصحة.
وأضافت أن فهم الأهمية الحقيقية للعلاقات يتطلب اختبارها جنبًا إلى جنب مع العوامل الاقتصادية، وليس بمعزل عنها.
للتأكد من أن النتائج لا تقتصر على مجتمع واحد، قارن الباحثون بين عينات من الولايات المتحدة وإسبانيا، وهما دولتان تتشابهان في بعض المؤشرات الاقتصادية، لكنهما تختلفان بشكل كبير في أنظمة الرعاية الصحية وشبكات الدعم الاجتماعي.
في الولايات المتحدة، يرتبط الوصول إلى الرعاية الصحية غالبًا بالعمل ومستوى الدخل، بينما توفر إسبانيا نظامًا صحيًا شاملًا يتيح الخدمات الطبية لجميع المواطنين بتكاليف منخفضة نسبيًا.
وشملت الدراسة أكثر من 1900 شخص بالغ، بواقع 1004 مشاركين من الولايات المتحدة و969 مشاركًا من إسبانيا.
اعتمدت الدراسة على قياسين رئيسين: الأول هو مستوى الرضا العام عن العلاقة العاطفية، والثاني مفهوم يُعرف باسم "استجابة الشريك المُدرَكة"، ويقصد به مدى شعور الفرد بأن شريكه يفهمه ويقدره ويهتم به بصدق.
كما تم تقييم الوضع الاجتماعي والاقتصادي من خلال الدخل ومستوى التعليم وعدد من المؤشرات المرتبطة بالمكانة الاجتماعية.
الحب والمال شريكان في المعادلة
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات عاطفية مُرضية سجلوا مستويات أفضل من الصحة النفسية والجسدية بغض النظر عن دخلهم أو مستواهم التعليمي.
وفي الوقت نفسه، ظل الوضع الاقتصادي الجيد عاملًا مؤثرًا في الصحة والرفاهية، حتى لدى الأشخاص الذين يعيشون علاقات مستقرة وسعيدة.
بمعنى آخر، لم يلغِ أي من العاملين تأثير الآخر، بل عمل كل منهما بصورة مستقلة لدعم جودة الحياة.
ما هو سر بناء حياة صحية؟
تكشف الدراسة أن بناء حياة صحية لا يعتمد فقط على زيادة الدخل أو تحسين الظروف المادية، كما لا يقتصر على العثور على شريك حياة مناسب، فالرفاهية الحقيقية تبدو نتيجة توازن بين الاستقرار الاقتصادي والدعم العاطفي.
وتشير النتائج إلى أن السياسات العامة المعنية بالصحة قد تستفيد من النظر إلى الروابط الاجتماعية والاستقرار المالي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين ومتكاملتين، لأن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالأمان في جيبه كما يحتاج إلى الشعور بالأمان في قلبه.
