الأداء الرياضي تحت الاختبار.. ماذا يحدث للجسم أثناء الصيام؟
لطالما ارتبط التدريب أثناء الصيام بسلسلة من الأحكام المتناقضة داخل عالم اللياقة البدنية، فبين من يراه وسيلة فعّالة لحرق الدهون، ومن يعتبره تهديدًا مباشرًا للقوة العضلية والأداء الرياضي، ظل هذا النوع من التدريب محاطًا بالجدل لسنوات طويلة دون إجابة حاسمة.
لكن دراسة حديثة أعادت فتح هذا الملف من زاوية مختلفة، لتكشف أن الصورة ليست بتلك الحدة التي يعتقدها كثيرون، بحسب ما أظهرته دراسة حديثة نُشرت إلكترونيًا عام 2026 في المجلة الدولية لعلوم الرياضة والتدريب عن دار نشر SAGE.
وفي عالم يعتمد على الأرقام والتجارب الدقيقة، جاءت النتائج الجديدة لتضع تساؤلات قديمة في إطار أكثر مرونة، فالأداء البدني، كما يبدو، لا يخضع دائمًا لمعادلات صارمة، بل يتأثر بعوامل أكثر تعقيدًا تتداخل فيها طبيعة الجسم، والتكيف، ونمط الحياة.
تأثير الصيام على الأداء البدني
وكشفت الدراسة، التي أُجريت على رياضيين مدرَّبين خلال فترة الصيام، أن الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة لم يؤدِ إلى انخفاض ملحوظ في القوة القصوى أو القدرة الانفجارية، وتم تقييم المشاركين في نهاية الشهر، بعد نحو 13 ساعة من الصيام، ثم إعادة الاختبارات بعد أسبوع من انتهاء الصيام مع توحيد الوجبة قبل التمرين.
وشملت التقييمات تمارين مركبة مثل القرفصاء، والضغط على الصدر، واختبارات سحب القوة الثابتة، إضافة إلى قياسات القفز والأداء الانفجاري، والنتيجة اللافتة كانت غياب أي تراجع كبير في مؤشرات القوة أو إنتاج الطاقة، رغم ظروف أقل مثالية تتعلق بالنوم والترطيب ومستويات الطاقة.
هذه النتائج تعيد تشكيل الفكرة الشائعة التي تربط تلقائيًا بين الصيام وتراجع الأداء البدني، وتؤكد أن الجسم يمتلك قدرة أكبر على التكيف ما يُعتقد عادة.
أنظمة الطاقة في الجسم
وأوضحت الدراسة أن الإحساس بالتعب أو انخفاض الطاقة لا يعني بالضرورة ضعفًا حقيقيًا في الأداء العضلي، فالجسم البشري قادر على الاعتماد على أكثر من نظام لإنتاج الطاقة، حتى في ظل نقص التغذية المؤقت.
لكن هذا لا يلغي دور التغذية بالكامل، فالأبحاث تشير إلى أن توقيت تناول الطعام قد يكون له تأثير واضح على بعض أنواع الأداء، خصوصًا تمارين القوة القصوى، حيث يحقق الرياضيون نتائج أفضل أحياناً عند التدريب بعد وجبة مناسبة توفر طاقة كافية.
كما أن تدريبات التحمل الطويلة تختلف في طبيعتها، إذ تعتمد بشكل أكبر على مخزون الجليكوجين ومستوى الترطيب، ما يجعل تأثير الصيام فيها أكثر وضوحًا مقارنة بتمارين القوة القصيرة.
هل التدريب أثناء الصيام وسيلة لحرق الدهون؟
رغم الاعتقاد الشائع بأن التدريب أثناء الصيام يعزز خسارة الدهون، تشير الأدلة إلى أن العامل الحاسم هو توازن السعرات الحرارية فسواء تم التدريب صائمًا أو بعد تناول الطعام، فإن فقدان الدهون يرتبط أساسًا بالعجز الحراري على مدار اليوم أو الأسبوع.
لكن في المقابل، قد يساعد تناول وجبة خفيفة قبل التمرين تحتوي على الكربوهيدرات أو البروتين في تحسين جودة الأداء، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على الحفاظ على الكتلة العضلية أثناء خفض الوزن.
أحد أبرز ما تكشفه هذه الدراسة هو أن الظروف غير المثالية لا تعني بالضرورة انهيار الأداء، فحتى مع انخفاض الترطيب أو الطاقة أو اضطراب النوم، تمكن المشاركون من الحفاظ على مستويات القوة الأساسية دون تراجع واضح.
لكن في الوقت نفسه، تؤكد النتائج أن الاستجابة الفردية تظل عاملاً حاسمًا، فهناك من يشعر بقدرة عالية على التدريب أثناء الصيام، بينما يعاني آخرون انخفاضًا واضحًا في الأداء، ما يعني أن التجربة تختلف من شخص لآخر.
مرونة التدريب أهم من مثاليته
في النهاية، لا يبدو أن الجدل حول التدريب أثناء الصيام سينتهي قريبًا لكن ما أصبح واضحًا هو أن المرونة في التعامل مع التغذية والتدريب قد تكون أكثر أهمية من الالتزام الصارم بقواعد ثابتة.
فالنتائج الحديثة لا تقول إن الصيام أفضل أو أسوأ بشكل مطلق، بل تشير إلى أن الجسم قادر على الأداء في ظروف متعددة، طالما تم التعامل مع التدريب بذكاء، ومعرفة متى يمكن الدفع بالأداء إلى الحد الأقصى، ومتى يحتاج الجسم إلى دعم إضافي.
وبين وجهتي النظر المتناقضتين، تظل الحقيقة الأهم التدريب الناجح لا يعتمد فقط على "الوقود المثالي"، بل على فهم أعمق لكيفية استجابة الجسم للجهد، وكيف يمكن استثمار تلك الاستجابة لتحقيق أفضل نتيجة ممكنة.
