وهم داخل كبسولة.. لماذا تتفوق الأطعمة الكاملة على المكملات الغذائية؟
غريب أن يكون الشيء الذي نثق به أكثر هو الأبعد عن الحقيقة، فنحن نعيش في عصر تحوّل فيه الصحة إلى منتج يُباع بالحبوب والمساحيق، حيث يكفي أن تفتح تطبيقًا واحدًا حتى تجد نفسك محاطًا بإعلانات عن الماغنيسيوم للنوم، والكرياتين للتركيز، وعشرات المكملات التي تعدك بتحسين هرموناتك وطاقتك ومزاجك؛ كل ذلك مقابل اشتراك شهري لا ينتهي.
لكن دان سارجنت، خبير التغذية والطهي الرياضي الذي رافق نجومًا من أمثال لاعب نادي بايرن ميونخ، هاري كين (قائد المنتخب الإنجليزي السابق)، والملاكم كونور بن، يقطع هذا الوهم بجملة واحدة: "صناعة المكملات تستحق المليارات لأنها تبيع الأمل داخل كبسولة، لكن معظم هذه المكملات ليست سوى لاصق على أساس متصدع"، وذلك وفقًا لما نُشر في موقع Men's Health.
أهمية الغذاء للجسم
أحد أكبر المفاهيم الخاطئة التي يحملها كثيرون هو أن الطعام مسألة حسابية بسيطة: سعرات حرارية تدخل، وسعرات تخرج؛ لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
يقول سارجنت: "الغذاء ليس مجرد سعرات، إنه معلومات ووقود في آنٍ. كل شيء تأكله يُخبر جسدك بما يجب أن يفعله، ويمنحه الأدوات اللازمة للقيام به: بناء العضلات، أو تخزين الدهون، أو مكافحة الالتهابات، أو تثبيت الطاقة أو تعطلها.
بمعنى آخر، طبقك اليومي ليس مجرد وجبة، إنه تعليمات برمجية يتلقاها جسمك ويترجمها إلى أداء أو إرهاق، إلى وضوح ذهني أو ضباب.
وهذا بالضبط ما يجعل إهمال التغذية مع الانشغال بتحسين التدريب معادلة خاسرة؛ إذ يوضح سارجنت أن كثيرًا من الناس يضعون خططًا تدريبية محكمة، وروتينًا للنوم، ثم يُفسدون كل ذلك بتغذية رديئة. مضيفاً: "المركبة التي تعمل بوقود سيئ تسير بصعوبة وتتعطل في اللحظات الحاسمة".
متى تستحق المكملات مكانًا على طاولتك؟
الإجابة الأمينة: أحيانًا، لكن ليس بالطريقة التي تُسوّقها الشركات؛ فبعض المكملات تملك دليلاً حقيقيًّا؛ فالكرياتين، على سبيل المثال، له سجل بحثي قوي في تحسين الأداء البدني والتعافي.
بروتين المصل قد يكون مفيدًا للراحة والسهولة، وبعض الحالات الصحية أو أنماط الحياة تستدعي فعلاً دعمًا إضافيًّا، كالنباتيين الذين يحتاجون إلى فيتامين B12، أو من يعانون نقصًا موثقًا في الحديد.
لكن خارج هذه الحالات، يبقى تحسين جودة الطعام أجدى من الاستثمار في المكملات، ويضرب سارجنت مثالاً حيًّا: "مكملات الماغنيسيوم لن تفعل ما يمكن أن تفعله الشوكولاتة الداكنة والسبانخ وبذور اليقطين في نظامك الغذائي"، والأمر ذاته ينطبق على بروتين المصل، فهو لن يبني عضلة واحدة إن كانت تغذيتك العامة متدنية.
المكمل كما يدل اسمه: مُكمِّل لا مُعوِّض، وحين يُعامَل كبديل، يصبح مضيعة للمال في أحسن الأحوال، وتضليلاً صحيًّا في أسوئها.
تأثير جودة الغذاء على الحالة النفسية
ثمة بُعد آخر للتغذية يظل مغفلاً في كثير من النقاشات: أثرها على الصحة النفسية؛ فالأبحاث الحديثة تُظهر علاقة وطيدة بين جودة الغذاء والحالة الذهنية، إذ تُسهم تقلبات السكر في الدم والأطعمة المصنعة في الشعور بالإرهاق، وضبابية التفكير، وتذبذب المزاج.
والأهم من ذلك، يكشف سارجنت عن رابط مباشر بين الأمعاء والسعادة: "الميكروبيوم المعوي المحروم من الألياف وتنوع الطعام يُضعف إنتاج السيروتونين، وهذا الهرمون الذي نُسمّيه هرمون السعادة يُنتَج في الأمعاء بنسبة تتجاوز 90%".
ما يعنيه ذلك عمليًّا: الشعور بالاكتئاب أو القلق المستمر قد يكون في جزء منه انعكاسًا لما يحدث داخل أمعائك، وليس فقط داخل رأسك.
آلية تحسين جودة الغذاء
الخطأ الذي يقع فيه كثيرون حين يقررون تحسين تغذيتهم هو البدء بقائمة ممنوعات طويلة. يعتقد سارجنت أن هذا النهج يجعل الطعام عدوًّا، وهو ما يُفضي في الغالب إلى الفشل.
البديل الأذكى هو الإضافة لا الحذف: أضف بروتينًا أكثر، وأليافًا أكثر، وألوانًا أكثر على طبقك. أضف الأطعمة الكاملة قبل أن تفكر في إزالة أي شيء.
وحين تشعر أن نظامك الغذائي مرن ومستدام وممتع، ستجد نفسك تلتزم به دون إرهاق نفسي. يقول سارجنت: "إذا كان نظامك الغذائي يجعلك تعيسًا، فهو ليس مغذيًا بالقدر الكافي، لأن الضغط النفسي نفسه مُحفِّز للالتهابات".
الرسالة التي يحملها سارجنت ليست رفضًا مطلقًا للمكملات، بل استعادة للأولويات، حيث يختم حديثه قائلاً: "لست ضد المكملات، ثمة منها ما هو مفيد فعلاً. لكن الغذاء يأتي أولاً، دائمًا. هذا هو جوهر كل ما بنيته في مسيرتي".
