اللياقة الذهنية والجسدية: كيف تبني عضلات العقل والجسم معًا؟
لا تبني التمارين الرياضية عضلات الجسم فحسب، بل تبني عضلات العقل أيضًا؛ إذ يتدفّق إليه مزيد من الأكسجين، كما يتحسّن التفكير والذاكرة، بل إنّ المزاج نفسه يتغيّر، حتى أنّ الرياضة باتت خيارًا علاجيًا للاكتئاب.
واللياقة الذهنية تتوقّف في المقام الأول على اللياقة الجسدية، وفي السطور الآتية نرصد جانبًا من انعكاس لياقة الجسم على العقل، وخطة التدريب العملية التي تضمن تحسّن اللياقة الذهنية والجسدية على حدٍ سواء.
العلاقة بين اللياقة الذهنية والجسدية
تتحسّن اللياقة الذهنية بتحسّن لياقتك البدنية؛ إذ إنّ النشاط البدني يزيد من تدفق الأكسجين إلى الدماغ، كما يزيد كمية الإندورفين، وهي مادة كيميائية تساعد على الشعور بالسعادة، ولذلك فإنّ الذين يتمتعون بلياقة بدنية جيدة، هم الأقرب للتمتّع بمستوى أعلى من الرشاقة الذهنية، وفقًا لموقع "Healthline".
كذلك فإنّ ممارسة التمارين الرياضية القوية تساعد على مكافحة الاكتئاب والنظر إلى الحياة بإيجابية أكبر، بالإضافة إلى تقليل التوتر، الذي يضرّ العقل والجسم على حدٍ سواء.
كيف تحسّن اللياقة البدنية صحة العقل؟
أظهرت دراسة عام 2017 في مجلة مرض ألزهايمر أنّ النشاط البدني يفيد الدماغ بعِدّة طرق، منها:
- تحسين القدرة المعرفية أو كفاءة وظائف الدماغ.
- منع التدهور المعرفي أو تجنّب انخفاض جودة وظائف الدماغ.
- تقليل خطر الإصابة بمرض ألزهايمر وأنواع الخرف الأخرى.
1. الوقاية من التدهور المعرفي
التدهور المعرفي يعني أنّ دماغك لم يعُد يعمل كما ينبغي، ولكن تساعد ممارسة الرياضة العقل على العمل بشكلٍ أفضل، وكذلك تجنّب حدوث خلل في وظائف الدماغ.
ففي دراسة عام 2019 في مجلة طب الأعصاب، خضع 454 من كبار السن لفحوصات بدنية واختبارات معرفية سنوية لمدة 20 عامًا، وقد زُوِّدوا بأجهزة قياس التسارع، التي تتعقّب حركتهم ونشاطهم البدني على مدار الساعة.
وتبيّن أنّ المشاركين الذين تحرّكوا أكثر، سجّلوا نتائج أفضل في اختبارات الذاكرة والتفكير، وكلتاهما علامتان على الوظائف المعرفية.
2. إبطاء التدهور المعرفي الحاليّ
أمّا لو كُنت تلاحظ تراجعًا في قدراتك الذهنية حديثًا، فإنّ الحفاظ على اللياقة الجسدية قد يمنع تفاقم الأمر.
فقد نظرت دراسة عام 2018 في مجلة طب الأعصاب إلى كبار السن الذين يعانون ضعفًا معرفيًا طفيفًا، ووجدت أنّ المشاركين الذين مارسوا التمارين الرياضية، أظهروا تحسّنًا في كل من التفكير والذاكرة، كما تحسّنت حالة الأشخاص الذين جمعوا بين ممارسة التمارين الرياضية واتّباع رجيم داش بشكلٍ أكبر.
3. تحسين المزاج
لا تقتصر فوائد الرياضة على الحفاظ على وظائف الدماغ، مثل التركيز والتفكير وما إلى ذلك، بل يمتدّ تأثيرها إلى المزاج والصحة النفسية أيضًا؛ إذ توصِي الجمعية الأمريكية للطب النفسي بممارسة الرياضة كخيار علاجي للاكتئاب، سواء بمفردها أو مقترنة بالعلاج النفسي والأدوية.
كما وجدت مراجعة لـ218 دراسة، نشِرت عام 2024 في مجلة "BMJ" أنّ أكثر أشكال التمارين الرياضية فعالية لعلاج الاكتئاب هي:
- الركض.
- تدريب القوة.
- المشي.
4. تحسين المرونة العصبية
تعزّز التمارين الرياضية المرونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرة الدماغ على التعلّم والتكيّف طوال الحياة.
كما ترتبط التمارين الهوائية (مثل تمارين القلب والسباحة) على وجه الخصوص بتغيّرات إيجابية في الدماغ، تحافظ على صحته وقدرته على التكيّف، وفقًا لدراسة عام 2024 في مجلة "Cureus".
كما أظهرت الدراسة نفسها أنّ التمارين الهوائية تزيد من حجم الحُصين، وهو الجزء من الدماغ المسؤول عن الذاكرة والتعلّم.
هل هناك تمارين بدنية مُعيّنة لتحسين اللياقة الذهنية؟
وفقًا لمراجعة عام 2017 في مجلة "BMJ"، نظر الباحثون في الدراسات بشأن التمارين الرياضية والقدرات المعرفية لتحديد أفضل التمارين التي تحقّق أكبر فائدة، ووجدوا أنّ كلًا من التمارين الهوائية وتدريبات المقاومة كانت مهمة.
فقد ثبت أنّ التمارين الهوائية تحسّن القدرات المعرفية، في حين كانت تدريبات المقاومة أكثر فعالية في تعزيز الوظيفة التنفيذية والذاكرة العاملة.
وهذا يعني أنّ الجمع بين نوعَي التمارين هو أفضل خيار لتحسين اللياقة الذهنية.
تقول "إيبوني جلوفر" الأستاذة المساعدة في علم الأعصاب بجامعة ولاية كينيساو: "أي نوع من النشاط البدني الذي يعزز التوازن والتنسيق وخفة الحركة والمرونة سيكون مفيدًا، خصوصًا عند القيام به باستمرار مع مرور الوقت".
كم تحتاج من التمارين الرياضية لدعم لياقتك الذهنية؟
توصِي الكلية الأمريكية للطب الرياضي بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من التمارين الهوائية متوسطة الكثافة أسبوعيًا.
ولكنك قد لا تحتاج إلى هذا القدر من التمارين للحصول على بعض الفوائد لذهنك. تقول "إيبوني جلوفر": "إنّ ممارسة التمارين الهوائية المتقطعة بأي كثافة لمدة 6 إلى 10 دقائق يوميًا، يمكِن أن يحدِث فرقًا كبيرًا بمرور الوقت".
كما يُوصَى بممارسة تدريبات المقاومة مرتين في الأسبوع على الأقل، مع استهداف مجموعات العضلات الرئيسة في الجزء العلوي والسفلي من الجسم.
خطة تدريب عملية لتحسين لياقة العقل
ثمّة طرق لضمان ممارستك لمزيج من التمارين الهوائية وتدريبات المقاومة، وفيما يلي نموذج لجدول أسبوعي:
- يومان في الأسبوع من التمارين القلبية الوعائية متوسطة إلى قوية الكثافة، مثل 20 - 30 دقيقة من المشي أو الركض أو ركوب الدراجات أو السباحة أو غير ذلك.
- يومان في الأسبوع من تدريبات المقاومة، مثل 20 - 30 دقيقة من رفع الأثقال أو تمارين وزن الجسم.
- يومان في الأسبوع من التمارين القلبية الوعائية متوسطة الكثافة (20 - 30 دقيقة).
- يوم واحد في الأسبوع للراحة، ويمكِن ممارسة التنفس العميق خلاله.
كيف تحافظ على لياقتك الذهنية العالية؟
إلى جانب ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، يمكنك تحسين مرونتك الذهنية وقدرتك على التركيز والتعلّم والتفكير من خلال:
1. التوقف عن المهام المتعددة
قد تظنّ أنّ تعدد المهام يمكّنك من إنجاز مزيدٍ من الأشياء في وقت واحد، ولكن هذا في الواقع يخلق مشكلات أكبر لعقلك، لذا حاول أن تُركِّز على مهمة واحدة في كل مرة، فهذا أفضل لتحسين التركيز وكذلك الإنتاجية.
2. التفكير الإيجابي
التفكير الإيجابي أحد سبل تعزيز الكفاءة الذهنية، ويتضمّن التحدث مع نفسك بطريقة إيجابية؛ إذ إنّ ذلك يقوّي المسارات العصبية المرتبطة برفع الثقة بالنفس والرضا.
ويمكن أن يساعدك على ذلك تذكير نفسك أنّه ليس من الضروري أن تكون مثاليًا وأن تجهّز قائمة بصفاتك الجيدة للاطلاع عليها.
3. جرّب شيئًا جديدًا
يمكِن للتجارب الجديدة أيضًا أن تدعم لياقتك الذهنية، وذلك بدمج أمور جديدة في حياتك اليومية، مثل:
- تجربة أطعمة جديدة.
- تجربة طرق جديدة لإنجاز المهام الروتينية.
- السفر إلى أماكن جديدة.
- اتخاذ طريق جديد للعمل أو الذهاب إلى متجر البقالة.
ولا تستهن بهذه الأمور البسيطة؛ إذ وفقًا لجمعية ألزهايمر، فإنّ الحفاظ على نشاط الدماغ يزيد من حيويته، وأنّ القيام بأشياء جديدة بطرق جديدة يساعد في الحفاظ على خلايا الدماغ واتصالاته، بل قد يؤدي ذلك إلى إنتاج خلايا دماغية جديدة.
4. متّع عقلك بالألعاب
تُعدّ الألعاب التي تختبر التفكير والدماغ من الطرق الممتعة لإبقاء ذهنك في أتمّ لياقته، مثل:
- ألغاز الكلمات المتقاطعة.
- السودوكو.
فالألعاب وسيلة رائعة لبناء عضلات الدماغ، بل حتى ألعاب الفيديو سريعة الوتيرة قد تعزّز قدرتك على تعلّم مهام جديدة.
وقد توصّلت دراسة عام 2012 في مجلة "Current Biology" إلى أدلّة مبدئية على أنّ ألعاب الفيديو قد تزيد من مدى انتباهك ووقت رد الفعل وقدرتك على تبديل المهام.
وإلى جانب ألعاب الفيديو، يمكنك تجربة ألعاب تعتمد على:
- المنطق.
- التفكير التحليلي.
- المعلومات العامة.
5. القراءة غذاء العقل
ربّما ترغب في تحسين لياقتك الذهنية دون أن تتحرّك كثيرًا، وهُنا تكون القراءة خيارًا مفيدًا -إلى جانب الرياضة وليس بديلًا- فبينما تقرأ هذه الجملة الآن، يعالِج عقلك كل كلمة، ويتذكّر المعنى على الفور.
وبعيدًا عن الآليات المُعقّدة، فإنّ القراءة تساعدك على تخيّل الموضوع الموجود أمامك، وتخيّل كيف تبدو الأصوات في الحوار المكتوب، كما أنّها تحفّز الخيال، بما ينشّط العديد من مناطق الدماغ في وقت واحد، وهناك عدد لا حصر له من مواد القراءة التي تلبّي شغفك.
في النهاية تعتمد اللياقة الذهنية على لياقتك الجسدية بدرجةٍ كبيرة، فكُلّما كُنت أكثر نشاطًا، انعكس ذلك على تركيزك وتفكيرك وإنجازك لمهامك اليومية.
وتُعدّ التمارين الهوائية وتدريبات المقاومة من أفضل الخيارات لدعم العقل، وكما يقولون دائمًا "العقل السليم في الجسم السليم".
