تدريب التحمل العصبي: تحسين الأداء البدني يبدأ من عقلك
يتشتّت كثير من الرياضيين بين طرق تحسين الأداء في التمارين، ولكنهم قد يغفلون عن تطوير مهاراتهم الذهنية التي قد تساعد حقًا على تحسين الأداء، بل زيادة التحمّل العضلي.
ولذلك مثّل تدريب التحمّل العصبي نهجًا مبتكرًا يجمع بين التدريب الذهني والبدني، بما يجعل الدماغ أكثر قدرة على تحمّل التعب، وبما يُسهِم في تحسين الأداء البدني وفقًا لما أثبتته الدراسات، فكيف تعمل تدريبات التحمل العصبي على تحقيق ذلك؟
ما هو التحمل العصبي في التدريب؟
تدريب التحمل العصبي (BET) هو منهجية تدريب مبتكرة تجمع بين التدريب البدني والمهام المرهِقة ذهنيًا، لتعزيز المرونة المعرفية والقدرة على التحمّل لدى الرياضي.
ويعتمد هذا النهج على مفهوم أنّ التعب العقلي يؤثِّر بدرجة كبيرة في الأداء البدني واتخاذ القرار والقدرة على التحمّل في الرياضة.
ومن خلال دمْج المهام المعرفية التي تتطلّب الانتباه والذاكرة العاملة والوظيفة التنفيذية في نظام التدريب البدني، فإنّ التحمل العصبي يهدف إلى تدريب الدماغ على التعامل بشكلٍ أفضل مع الضغوط النفسية والتعب العقلي الذي يواجِهه الرياضيون في المسابقات.
فكما تُدرِّب عضلاتك لتصبِح أقوى، فإنّ تدريب التحمل العصبي يعلّم الدماغ أن يكون أكثر مرونة في مواجهة التعب.
كيف تعمل تدريبات التحمل العصبي؟
جوهر تدريب التحمل العصبي هو أنّ إضافة المهام المعرفية إلى المهام البدنية القياسية خلال التدريب، يخلق عبئًا معرفيًا أكبر، ما يجعل التدريب أكثر صعوبة، ويؤدي بدوره إلى تكيّفات في الدماغ لمواكبة تلك الصعوبة.
وإذا لم تكُن المهام المعرفية صعبة، فلن يحدث التكيّف الكافي، وعندما يُزال الحمل الذهني الإضافي في نهاية برنامج التدريب، يصبِح التمرين أسهل، ويؤدي الرياضيون أداءً أفضل.
ولكن من المهم معرفة أنّ تدريب التحمل العصبي لا يؤدي إلى زيادات فسيولوجية في اللياقة البدنية. وكما يوضّح "توماس غارسيا كالفو" أستاذ علوم الرياضة في جامعة إكستريمادورا في كاسيريس، إسبانيا: "لا يعمل تدريب التحمل العصبي على تحسين الحجم الأقصى للأكسجين (VO2 max) أو قوة العضلات مباشرةً، ولكنّه يعزّز القدرة على الاستفادة من التدريب البدني بشكلٍ فعال، خصوصًا تحت التعب".
نظرة عميقة على تدريب التحمل العصبي
تُصمّم مهام تدريب التحمل العصبي لتحسين مهارات الوظيفة التنفيذية، وهي العمليات العقلية التي تدعم قدرتك على التخطيط والتركيز والتذكّر وتعدّد المهام، وفقًا لجامعة هارفارد.
وخلال جلسات تدريبات التحمل العصبي، يبني الرياضيون مهارات فكرية مُحدّدة، تشرحها "سامنثا سوريا" دكتورة في عِلم النفس ومعالِجة نفسية من فلوريدا:
1. كبح الاستجابة
هو القدرة على ملاحظة فكرة أو فعل أو استجابة، ثُمّ مقاومة الانخراط فيها، فمثلًا في أثناء رحلة بالدراجة، قد تتذكّر مهمة عمل كان عليك إكمالها، وبدلًا من العودة إلى المنزل، عليك أن تفكّر سريعًا في جدولك الزمني وتحدّد وقتًا للاهتمام بها بعد رحلتك، بينما تكبح رغبتك في التوقف عن قيادة الدراجة.
2. التحديث
يعني مهارة مراقبة المحفّزات الجديدة والاهتمام بها باستمرار ودمج المعلومات الجديدة واستبدال المعلومات القديمة.
مثلًا قد يكون لديك هدف ركوب الدراجة في منتصف المجموعة مع مجموعة، ولكن راكب دراجة آخر يثرثر أكثر مما تريد، لذلك تتراجع قليلًا، وتبحث عن وضع جديد لمواصلة رحلتك بسلام، ومِنْ ثمّ تحديث هدفك.
3. التبديل
إنّ الانتقال بسلاسة بين المهام المختلفة أو المحفّزات العقلية يُدرّب عقلك على التعامل مع مزيدٍ من التوتر وعدم الشعور بمزيدٍ من التعب.
وقد يتدرّب راكبو الدراجات مثلًا على ذلك عن طريق حل لغز ما بين فترات التدريب، فمثلًا قد تقوم بإحماء لمدة 10 دقائق، ثُمّ 8 تكرارات من فترات تدريب مكثّفة لمدة دقيقتين لكل تكرار، متبوعة بدقيقتَين من الراحة تقوم خلالها بحلّ ألغاز أو كلمات متقاطعة أو سودوكو، فأنت تُبدّل بين المهام بهذه الطريقة.
فوائد تدريب التحمل العصبي للرياضيين
يُعدّ تدريب التحمل العصبي مفيدًا لتحسين أداء الرياضيين، كما يتضح فيما يأتي:
1. تحسين الأداء
وفقًا لدراسة عام 2023 في مجلة العلوم والطب في الرياضية، ضمّت 50 مشاركًا شاركوا في تدريب التحمل العصبي بعد ممارسة التمارين الرياضية، وقد تمكّنوا من ركوب الدراجات لفترة أطول قبل أن يشعروا بالتعب، كما أبلغوا عن تقييمات أقل للجهد الذي بذلوه (صعوبة جلسة التدريب بالنسبة لهم).
كذلك أشارت دراسة أخرى عام 2024 في مجلة عِلم نفْس الرياضة والتمارين الرياضية، إلى أنّ تدريب التحمل العصبي أدّى إلى تحسّن الأداء في أثناء أداء التمارين الآتية، حتى عند التعب:
كما أدّى أيضًا إلى تحسّن في الوظائف المعرفية.
2. زيادة القدرة على أداء تدريبات المقاومة
كذلك يساعد تدريب التحمل العصبي على زيادة القدرة على ممارسة تدريبات المقاومة، فقد دلّت دراسة عام 2024 في مجلة أبحاث القوة واللياقة البدنية على أنّ الانخراط في مهام معرفية قبل وبعد تدريب المقاومة، يمكِن أن يساعد على أداء مزيدٍ من التكرارات.
وقد قام المشاركون الذين شاركوا في تدريبات التحمل العصبي، بزيادة الحد الأقصى لعدد التكرارات الخاصة بهم من تمارين:
- الضغط (press-up).
- بيربي (burpee).
- قرفصاء القفز (jump squat).
- رفع الساق (leg squats).
وذلك بدرجة أكبر من المجموعة التي لم تشارِك في تدريبات التحمل العصبي.
ومع ذلك، لم ينطبق الأمر نفسه على التمارين الثابتة، مثل تمرين بلانك أو تمرين الجلوس على الحائط (wall-sits).
كما شهدت دراسة أخرى عام 2024 في مجلة أبحاث القوة واللياقة البدنية أنّ المشاركين الذين قاموا بمهام معرفية بالتزامُن مع التدريب البدني، كان لديهم زيادات أكبر في الحد الأقصى لعدد التكرارات لتمرين ضغط الصدر (chest press)، وقرفصاء القفز (jump squat).
3. دعم التحمّل العضلي
أيضًا يسهِم تدريب التحمل العصبي في زيادة التحمّل العضلي، فقد بيّنت دراسة عام 2021 في مجلة العلوم والطب في الرياضة إلى تحسنٍ أكبر بنسبة 20% في القدرة على التحمّل في تمارين قبضة اليد لدى المجموعة التي مارست أيضًا تدريبات التحمل العصبي.
كما يؤيّد ذلك دراسة عام 2023 في المجلة الأوروبية لعلوم الرياضة، التي أظهر المشاركون فيها تحسّنًا بنسبة 12% في أداء التحمّل الأقصى لقبضة اليد.
عيوب تدريب التحمل العصبي
رغم فوائد تدريب التحمّل العصبي، فإنّه لا يناسب كل الرياضيين، فهو تدريب صعب، ومِنْ ثمّ فقد يكون مُخصّصًا أكثر للرياضيين الذين لديهم دافِع حقيقي لتحسين أدائهم.
وينبغي قبل دمج تدريب التحمّل العصبي أن يُتقِن الرياضي أُسس التدريب لرياضته، بما يتضمّن تدريبه القياسي، ولياقته البدنية، وتغذيته، ونومه، وما إلى ذلك.
