"عقدة الشهيد": لماذا يضحّي البعض حتى الاستنزاف.. وكيف يتوقفون؟
يميل بعض الناس إلى التضحية من أجل الآخرين، ليست التضحية العادية أو مبادلة منفعة بمنفعة، بل هو استنزاف تام للنفس، وتضحية مستمرة، وإنفاق للوقت والطاقة والموارد لصالح الآخرين، ولكن هل يُتوقّع من الآخرين أن يقدّروا تلك التضحية؟
الواقع أنّ هذا ما يُطلَق عليه "عقدة الشهيد"، ولا يلزم أن يقدِّر الآخرون تلك التضحيات الهائلة، بل قد ينتهي المطاف بالمرء بانتهاء العلاقات مع الآخرين، خصوصًا مع عدم تبادُل العطاء بالمثل.
وهذا السلوك المُضحِّي له جذوره منذ الطفولة، وربّما كان مرتبطًا بطبيعة المهنة، ويبقى السؤال هو: ما الذي يميّز عقدة الشهيد عن التضحيات المُعتادة؟ والأهم كيف يضع المرء حدودًا صحية ويتوقّف عن استنزاف نفسه؟
ما هي عقدة الشهيد؟
عُقدة الشهيد (Martyr complex) هي سمة نفسية وليست مصطلحًا طبيًا رسميًا أو تشخيصًا، وتُطلَق لوصف من يضحّي بنفسه باستمرار من أجل الآخرين من خلال إنفاق وقته وطاقته وعواطفه وموارده وقدراته الجسدية أو العاطفية، بينما يكون مستنزفًا ومرهقًا، لأنّه غالبًا ما يفعل أشياء لصالح الآخرين لا نفسه.
يقول عالِم النفسي "رامون فورد": "الشخص الذين يعاني عقدة الشهيد عادةً ما يضحّي برغباته واحتياجاته من أجل ما يعتقد أنّه الصالح العام على حساب رفاهيته".
الفرق بين عقدة الشهيد وعقدة المنقِذ
تختلف عقدة الشهيد عن عقدة المنقذ، فعقدة المنقذ، يرى الشخص قراره بمساعدة الآخرين كجزء من قضية نبيلة ويستمد شعوره بالقيمة من خلال أفعاله، فهو يؤمِن بقضيته.
ولكن في حالة عقدة الشهيد، فالأمر مختلف؛ إذ يميل إلى الشعور بأنّه يقدّم تضحيات لا تحظى أبدًا بالقدر الكافي من الثناء أو التصديق، وقد يضطر إلى تبنّي قضية غيره أو اتخاذ القرارات على أمل أن يحظى بالاحترام والتقدير.
مثلًا، قد يتطوّع الذي يعاني عقدة المنقذ عن طيب خاطر للمساعدة في مشروع ما عندما يكون زملاؤه في العمل مرضى، فهو يشعر برغبة مُلحّة في مساعدة زملائه في العمل، لأنّ ذلك يجعله يشعر بالسعادة، كُلمّا تدخل للمساعدة في حل المشكلات.
أمّا الذي يعاني عقدة الشهيد، فقد يشعر أنّه مُجبَر على المساعدة في مشروع ما لأنّه يعتقد أنّه لن يقوم أي شخص آخر بعمل جيد مثله، ورغم أنّه يشكو من الوضع، فإنّه قد يعمل ليلًا وفي عطلات نهاية الأسبوع لإكمال المشروع، وكل ذلك بينما يشعر بأنّه غير مُقدَّر أبدًا فيما يبذله من وقت وجهد.
علامات التضحية المفرطة
لعُقدة الشهيد علامات مميزة، منها على سبيل المثال:
- عدم القدرة على قول "لا": غالبًا ما يجد المصاب بعقدة الشهيد صعوبة في قول "لا" للآخرين، حتى لو لم يكُن قادرًا على المساعدة، وقد يشعر بالاستياء بعد الموافقة، ولكنّه مع ذلك لا يزال يواجه صعوبة في الرفض.
- ضعف الحدود: ليست الصعوبة في قول "لا" فقط، بل يتوقّع أيضًا أن يكون هناك تقدير ومكافأة على أفعاله.
- الافتقار إلى القدرة على التصرّف: غالبًا ما يرى المُصاب بعقدة الشهيد نفسه ضحية لظروفه، وقد لا يدرِك قدرته على تحسين وضعه.
- سردية البطل: قد يرى المصاب بعقدة الشهيد نفسه البطل، ويتدخّل باعتباره المنقِذ الوحيد الكفء.
- العمل المنفرد: لا يثق المصاب بعقدة الشهيد بقدرات الآخرين، ومِنْ ثمّ يكون مفرِطًا في الأداء، بما يضرّ برفاهيته.
- الافتقار إلى الرعاية الذاتية: إذا كان المرء مستنزفًا باستمرار لمساعدة الآخرين، فمتى يكون لديه ما يكفي من الطاقة للاعتناء بنفسه؟ من الطبيعي أن تتلاشى الصحة ولا يلقِي المصاب بعقدة الشهيد لها كبير اهتمام.
- البحث عن فرص للتضحية: يبحث المصاب بعقدة الشهيد عن فرصة للوقوف في طريق الأذى، فقد يبحث عن طرق لتقديم تلك التضحيات، كأنّما هي مفروضة عليه.
- القِيم غير الواقعية: قد ينظر المصاب بعقدة الشهيد إلى أفعاله على أنّها تعبير عن مدى اهتمامه، وقد يشعر أنّه إذا كان لا يعمل بجد من أجل الناس كل يوم، فهذا يعني أنّه لا يحبّهم بما يكفي.
- التقليل من الإنجازات: كذلك قد ينظر المصاب بعقدة الشهيد إلى إنجازاته على أنّها ليست مهمة أو يقلّل من شأنها.
أسباب هذا السلوك النفسي
قد ترتبط عقدة الشهيد بأنواع مُعيّنة من الأشخاص أو الظروف أو المهن، فقد يكون الأشخاص العاملون في مهن الرعاية الصحية معرّضين لخطر السلوكيات التي تضحّي برفاهيتهم، وفيما يلي التفاصيل:
1. الطبيعة المهنية
حسب دراسة أُجريت عام 2021 في دورية "Medicina Interna de México" وشملت 1,089 متخصصًا في الرعاية الصحية، عانى 52% منهم أعراض الاحتراق النفسي، بما في ذلك الإرهاق والقلق والاكتئاب.
كذلك قد يُصاب بعض الأشخاص بعُقدة الشهيد خلال العمل، فمثلًا قد يسهّل العمل من المنزل على الأشخاص العمل لساعات أطول، وقد يكون لديهم حدود أقل بين العمل والحياة الشخصية في المنزل.
أيضًا يمكِن لانعدام الأمن الوظيفي أو الرغبة في زيادة الراتب أو المكافأة أو الترقية إلى زيادة احتمالية تطوير خصائص عُقدة الشهيد في العمل.
2. حالات رعاية مُعيّنة
إنّ رعاية طفل يعاني مشكلة صحية خطيرة قد تؤدي إلى تطوير خصائص تشبِه خصائص عقدة الشهيد لدى الوالدَين أو مقدّمي الرعاية.
وقد فصّلت مقالة عام 2016 في دورية "Journal of Psychiatric and Mental Health Nursing" كيف يمكِن للوالدين الذين يعتنيان بطفل مصاب بالذهان أن يغيّروا العلاقة بينهما وبين الطفل، وكيف يمكِنهم تعويض المشاعر التي يواجهونها بسلوك التضحية بالنفْس.
3. تجارب الطفولة
غالبًا ما يُصاب شخص ما بعُقدة الشهيد بسبب التجارب التي مرّ بها في طفولته، فمثلًا قد يكون لديه أنماط تعلّق تجنبية أو قلقة تجعله أكثر عرضة لتطوير عقدة الشهيد إذا شعر أنّ حدوده تم تجاهلها أو أُهمِلت عندما كان صغيرًا.
يوضحّ الدكتور "فورد": "إذا كنت تعاني عقدة الشهيد، فربّما شعرت عندما كُنت طفلًا وكأنّك تتخلى دائمًا عن إحساسك بهويتك أو وقتك من أجل توقّعات الآخرين".
وأضاف أيضًا: "يمكِن أن تصبِح هذه القيمة جزءًا لا يتجزّأ من شخصيتك. ومع تقدّمك في العُمر وزيادة نضجك، قد تصبِح هذه السلوكات متكرّرة في بعض الأحيان؛ إذ تكون دائمًا على استعداد للتخلِّي عن وقتك ومواردك".
فمثلًا الطفل الذي يشعر أنّه بحاجة إلى تجاوز ما هو مُتوقَّع منه، لأنّه يشعر بأنّه مُهمّش، من المُرجّح أن يتبنى سلوكات تُرضِي الناس في مرحلة البلوغ على حساب تلبية احتياجاته الفعلية.
وفي مثل تلك الحالات، يمكِن أن يساعد شفاء الطفل الداخلي لهذا الشخص وتجاربه السابقة في التغلب على عُقدة الشهيد.
تأثيرها على العلاقات
إذا كُنت تقدّم التضحيات دائمًا لمن حولك، فقد ينتهي بك المطاف إلى الشعور بالاستياء تجاه الأشخاص الذين تُضحّي من أجلهم، وقد تشعر أيضًا بأنّك غير راض دائمًا عن النتيجة، بغض النظر عمّا تقوله وتفعله أو عدد المرات التي تضع فيها نفسك في هذا الموقف.
وفي بعض الأحيان، قد تشعر كأنّك تعطي وتعطي دائمًا، وأنّ نفس المستوى من العطاء لا يُبادَل بالمثل.
وفي هذا السياق يوضّح دكتور "فورد": "إذا كُنت أنت المحرّك لإعطاء الكثير من نفسك، فقد يواجه الشخص الآخر صعوبة في مواكبة ذلك أو قد لا يكون هذا شيئًا يُقدِّره".
ولذلك فإنّ العلاقات لا تكون متوازنة، ويكون لدى المصاب بعُقدة الشهيد توقّعات غير واقعية للآخرين وما يمكنهم تقديمه له في المقابل، وقد ينتهي المطاف به بالشعور بالهزيمة كأن لا شيء مما يفعله كاف على الإطلاق، وبمرور الوقت، فقد يؤدي هذا إلى:
- الاكتئاب.
- القلق.
- الشكّ في الذات.
- انخفاض الثقة بالنفس.
- صعوبة اتخاذ القرار.
- الافتقار إلى القدرة على التصرّف أو ضبط النفس.
هل يمكِن أن تجتمع عقدة الشهيد مع السمات النرجسية؟
عادةً ما يكون لدى المصابين باضطراب الشخصية النرجسية حاجة مستمرّة للإعجاب من قِبل الآخرين، وفي حالة اجتماع عُقدة الشهيد مع اضطراب الشخصية النرجسية، فقد تُسهِم هذه الحاجة إلى الإعجاب والثناء في سلوكات التضحية بالنفْس.
كما قد يستخدم بعض المصابين باضطراب الشخصية النرجسية هذا السلوك كشكلٍ من أشكال التلاعب والسيطرة على الآخرين.
كيف تضع حدودًا صحية وتتغلب على عقدة الشهيد؟
إنّ تعلّم كيفية التوقف عن سلوكات التضحية بالنفس يستغرق وقتًا وقليلًا من التجربة والخطأ؛ إذ يتعيّن عليك معرفة احتياجاتك وكيفية تلبيتها مع التأكّد من رضاك عن تفاعلاتك مع الآخرين.
وهناك أشياء صغيرة يمكِن القيام بها كل يوم للمساعدة في التغلّب على عُقدة الشهيد:
1. اسأل نفسك من أين تأتي الدوافع
اكتشف ما الذي يحفّز دافع التضحية؟ ماذا تستفيد من سلوكاتك؟ كيف يجعلك تشعر؟ ماذا يمكِنك أن تفعل لتشعر بشكلٍ مختلف؟ فالوعي بداية الطريق.
2. اكتب يوميات عن تجاربك
يمكِن أن تساعدك كتابة المذكرات على فهم ما يدفعك إلى التصرّف بطريقة مُعيّنة، حتى تتمكّن من البدء في معالجة أفكارك وأفعالك وما يمكن القيام به للمضي قدمًا
3. استشارة مُعالِج
لا بأس بطلب المُساعدة من معالِج مختص، إذا كُنت تشعر دائمًا أنّك تتخلى عن وقتك لصالح الآخرين أو أنّك لا تحصل على معاملة بالمثل على كل الأشياء التي فعلتها.
4. أعِد صياغة روايتك
إعادة الهيكلة المعرفية هي مفتاح التغيير الحقيقي، فبمجرد معرفة سبب مشاركتك في هذه السلوكات وكيف تجعلك تشعر، فقد حان الوقت للتفكير في الأمر من إطار ذهني مختلف، فاسأل نفسك إذا لم تضحّي، هل سيظل الشخص الآخر يحبّك أو هل ستظل محتفظًا بوظيفتك؟ فربما كُنت تخبِر نفسك دائمًا أنّ التضحية ضرورية للحفاظ على هذه الأمور، وربّما تكون الحقيقة غير ذلك.
5. ضع حدودًا
إنّ وضع حدود كاملة هو قرار لا بُدّ منه، لأنّك لا تريد أن تتدهور صحتك البدنية أو العقلية بسبب التضحية المستمرة والاستنزاف الذي لا يتوقّف
6. من الطبيعي قول "لا"
تذكّر أنّه من الجيد أن تقول "لا"، فعليك أن تكون حازمًا بشأن ما هو مهم بالنسبة لك، فالحفاظ على صحتك وأمانك ربّما أكثر ضرورة وأهمية من التضحية المفرطة لأجل الآخرين، والتي غالبًا ما تكون على حساب ذاتك.
