عقدة الذنب: لماذا لا يتوقف بعض الناس عن جلْد أنفسهم؟
من الطبيعي أن يشعر المرء بندمٍ عندما لا تسير الأمور كما يريد، أو عندما يرتكب خطأ ما، فليس هناك إنسان لا يخطئ.
ولكن أن يتحوّل الندم إلى دوّامة تستنزف المرء، فيصير إحساسه بالندم مستمرًا، حتى لو أصلح الخطأ أو عالَج المشكلة التي سبّبت الندم، هنا لم يعُد الذنب رد فعل طبيعي، بل صار أشبه "بعقدة الذنب"، فما هي تلك العقدة؟ وكيف تكسر دورة الشعور بالذنب وتستعيد التوازن النفسي؟
ما هي عقدة الذنب؟
عقدة الذنب (Guilt complex) هي الاعتقاد المستمرّ بأنّك فعلت شيئًا خاطئًا أو أنّك ستفعل شيئًا خاطئًا، بالإضافة إلى الشعور المستمر بالقلق والذنب، كما يمكِن أن تؤدي عقدة الذنب تلك إلى الشعور بالخجل.
وفي حين أنّ عُقدة الذنب قد تكون نتيجة لضرر حقيقي تسبب الشخص فيه، ولكنّها يمكِن أن تتضمّن أيضًا ذنبًا مُتخيّلاً أو غير حقيقي.
فقد يعتقد المرء أنّه ارتكب خطأ ما، رغم أنّه لم يفعل ذلك، وفي حالات أخرى، قد يبالِغ في تقدير دوره في موقف ما؛ مُعتقِدًا أنّ خطأه البسيط كان له تأثير أخطر بكثيرٍ مما حدث.
أنواع الإحساس بالذنب
الشعور بالذنب ليس واحدًا بين كلّ الناس، بل هناك أشكال مختلفة من الشعور بالذنب يمكِن أن تُسهِم في عُقدة الذنب، وتضمّ حسب موقع "Verywell mind":
1. الشعور بالذنب الطبيعي
يحدث هذا عندما يفعل المرء شيئًا خاطئًا حقًا فيندم عليه، ويساعد الشعور بالذنب هنا على الاعتذار أو تغيير السلوك، ولكن إذا لم يُعالَج بطريقةٍ صحيحة، فقد يؤدي إلى شعور مستمر بالذنب يؤثِّر في حياة المرء.
2. الشعور بالذنب غير التكيّفي
هو الشعور بالذنب تجاه أشياء خارجة عن سيطرة الإنسان، مثل الشعور بالذنب لعدم منع حدثٍ غير متوقّع، رغم أنّه لم يكُن هناك شيء يمكِن القيام به.
3. الأفكار المذنبة
كلّ شخصٍ لديه أفكار سلبية في بعض الأحيان، ويشعر بعض الأشخاص بالذنب بسبب هذه الأفكار؛ خوفًا من أن يتصرّفوا بناءً عليها أو يقلقون من اكتشاف الآخرين هذه الأفكار السيئة.
4. الذنب الوجودي
غالبًا ما يرتبط هذا الذنب المُعقّد بقضايا واسعة، مثل الظلم أو الذنب لعدم العيش وفق مبادئ الفرد نفسه. وأحد أنواع الذنب الوجودي يُعرَف باسم "ذنب الناجي".
ففي بعض الأحيان قد يعاني الأشخاص عُقدة الذنب لأنّهم يقومون بعملٍ جيد، بينما يكون الآخرون الذين يهتمون بهم ليسوا كذلك.
وهذا يظهر عندما ينجو شخص ما في وقت ما من حادثة أو كارثة يتعرّض فيها الآخرون للأذى، ولكن يمكِن أن يحدث أيضًا عندما يعاني أشخاص آخرون سوء الحظ، بينما لا تتعرّض أنت لذلك.
أسباب عقدة الذنب التي تصِيب بعض الناس
يمكِن أن تحدث عقدة الذنب لأسباب مختلفة، وقد لا تكون نتيجة عاملٍ واحد فحسب، وقد تبدأ هذه العُقدة في التشكّل في مرحلة الطفولة، كما قد تنشأ أيضًا بعد موقف مُعيّن من مواقف الحياة.
وعمومًا تضمّ العوامل المحتمل أن تُسبِّب عقدة الذنب عند بعض الناس:
1. القلق
قد يعاني الشخص المُصاب باضطراب القلق حساسية متزايدة تجاه كيفية إدراك الآخرين له، ولذا فقد يشكّ الفرد في نفسه أو يشعر بالدونية في المواقف الاجتماعية. ونتيجة لذلك، فقد يُصاب بعقدة الذنب، لأنّه مشغول بالتأقلّم بشكلٍ جيد مع محيطه أو التحكّم في جميع جوانب الموقف الحاليّ، وهو أمر مستحيل غالبًا.
2. تجارب الطفولة
يمكِن أن تكون جذور عقدة الذنب مزروعة منذ الطفولة؛ إذ إنّ صدمات الطفولة والتجارب السلبية مرتبطة بالشعور بالذنب.
فالأطفال الذين يشعرون بعدم الأمان أو يفتقرون إلى الدعم، قد يكبرون وهم يشعرون بالذنب تجاه مجموعة متنوّعة من القضايا، بما في ذلك قِيمهم ورغباتهم وسلوكياتهم وأفكارهم.
وقد يفترضون أنّ هناك شيئًا خاطئًا للغاية معهم، وينطبق هذا خصوصًا إذا نشأوا في أسرة غير سويّة، أو كان الوالدان أو من يقدِّمون الرعاية لهم عقابيّين.
3. التوقّعات المجتمعية
يعاني بعض الأشخاص عقدة الذنب، لأنّهم يشعرون بأنّهم لا يلبّون توقّعات المجتمع بما يكفي، ما يجعلهم يشعرون بأنّهم ليسوا جيدين بما فيه الكفاية.
وقد تكون التوقّعات المجتمعية مبالغًا فيها خصوصًا في مجالات معينة، مثل الرياضات التنافسية أو المدارس رفيعة المستوى أو بين دوائر اجتماعية معينة.
4. ضعف الثقة بالنفس
قد يكون الشخص ضعيف الثقة بالنفس أكثر عرضةً للإصابة بعُقدة الذنب؛ إذ يتزامن هذا غالبًا مع الشعور بعدم القِيمة والعجز، وهذا بدوره يمكِن أن يؤدي إلى شعور دائم بالذنب لدى الشخص.
5. السلوك غير المتوافِق مع القِيم
الشعور بالذنب هو رد فعل طبيعي لتجربة التنافر المعرفي، فمثلًا قد تقدّر عائلتك، لكنّك تستمر في قضاء وقت متأخر من الليل مع الأصدقاء خارج المنزل.
أو ربّما تقدِّر صحتك، لكنّك تستمرّ في الانخراط في عاداتٍ سلبية تُعرِّض صحتك للخطر، وبمرور الوقت يمكن أن يؤدي هذا السلوك غير المتوافق مع القِيم إلى عُقدة الذنب.
ما الفرق بين الإحساس بالذنب الصحي والذنب غير التكيفي؟
رغم أنّ الشعور بالذنب يُنظر إليه في كثيرٍ من الأحيان على أنّه عاطفة سلبية، فهو يؤدي وظيفة غاية في الأهمية باعتباره بوصلة خلقية. ومع ذلك فهناك خط واضح عندما يبدأ الضمير في الخلل، بما يحوّل الإشارة المفيدة للإصلاح إلى حلقة مدمّرة من العقاب الذاتي، كما يوضّح الجدول الآتي:
كيف تكسر دورة الإحساس بالذنب؟
إذا كُنت تحاول التعامل مع مشاعر الذنب المستمرة، فهناك أشياء يمكِنك القيام بها قد تسهّل عليك إدارة هذه المشاعر الصعبة، وفيما يلي بعض الاستراتيجيات التي قد تساعدك على ذلك:
1. إعادة صياغة الموقف
إذا وجدت نفسك تركّز فقط على الأفكار السلبية، ففكِّر في طرق للتفكير بشكلٍ مختلف بشأن الموقف، وهل هناك عوامل أخرى كان لها دور؟ ماذا يمكِنك أن تفعل بشكلٍ مختلف في المستقبِل؟
فالعثور على طريقة لتحويل تركيزك من الأفكار السلبية إلى أفكار أكثر واقعية وإيجابية، قد يساعدك على تجاوز مشاعر اللوم الذاتي.
2. سامِح نفسك
إنّ تعلّم كيفية ممارسة التسامح مع الذات يمكِن أن يكون أداة ضرورية للتخلّص من عُقدة الذنب. ومسامحة النفْس لا تعني إعفاءها من المسؤولية إذا ارتكبت خطأ أو تسبّبت في إيذاء شخصٍ ما، بل يتعلّق الأمر بتحمّل المسؤولية، ومنح النفْس بعض الوقت للتعبير عن الندم وإصلاح الأمور، ثُمّ إيجاد طريقة للمُضي قدمًا.
3. التركيز على الإيجابيات
قد يكون الشعور بالذنب مستنزِفًا لك، خصوصًا عندما تعاني عقدة الذنب، لذا أعطِ نفسك فرصة للتفكير في الجوانب الإيجابية من حياتك، وربّما يساعدك تدوين مذكّرات لما تمتنّ له في حياتك، لتوثيق ما تشعر بالامتنان لأجله وإعادة توجيه أي أفكارٍ سلبية ضارة.
وقد ثبت أنّ الامتنان فعّال في تغيير طريقة تفكيرنا أو تعامُلنا مع الأشياء في حياتنا، حتى عندما تشعر بالذنب تجاه الأشياء.
4. تحدّث إلى من تثق به
قد تكون مُشاركة مشاعرك مع شخصٍ مُقرّب مفيدة في بعض الأحيان، ويمكِن للدعم الاجتماعي أن يساعدك على التعامل مع المشاعر الصعبة، لذا فإنّ الحفاظ على علاقاتك مع الأصدقاء والأحباء أمر مهم.
وإذا كُنت تواجه صعوبة في التحدّث مع أحبائك بشأن مشاعر الذنب لديك أو إذا لم يقدّموا لك نوع الدعم الذي تحتاج إليه، فقد يكون من المُفِيد مناقشة مشاعرك مع اختصاصي نفسي، للمساعدة على كسر دورة الشعور بالذنب، واستعادة التوازن النفسي.
