وسط الفيضان الرقمي: كيف تعيد الكتابة بالقلم تشكيل نفوسنا؟
الكتابة عمل بشريٌ خالِص، وهي ليست تسجيلاً للمعلومات الهائلة التي تدخل أذهاننا كل يوم، بل أحيانًا تعبير عن المشاعر، وتفكيك للمعلومات المُعقّدة إلى معلومات أبسط للاستيعاب، ووسيلة للتواصل مع الآخرين، وتثبيت للمعرفة ونقلها إلى الذاكرة طويلة المدى.
بعبارة أخرى، فالكتابة تعِيد تشكيل أذهاننا ومشاعرنا، بل تبنِي مرونة نفسية ربّما لا تُبنَى إلّا بهذه الطريقة الفريدة.
ولكن مع الطفرة التكنولوجية القائمة، هل تكون الكتابة الرقمية أفضل في الحصول على هذه الفوائد أم تظلّ للكتابة اليدوية رونقها الذي لا يُفقَد على مرّ الزمن؟
كيف تعيد الكتابة تشكيل أذهاننا ومشاعرنا؟
في ثمانينيات القرن العشرين، طوّر عالِم النفس "جيمس بينيبيكر" تقنية علاجية تُسمّى "الكتابة التعبيرية"، لمساعدة المرضى على معالجة الصدمات والتحدّيات النفسية.
وباستخدام هذه التقنية، يساعد تدوين اليوميات باستمرار حول شيءٍ مؤلِم، على خلق مسافة ذهنية من التجربة وتخفيف العبء المعرفي عليها.
أو بعبارة أخرى، فإنّ التعبير عن الضيق العاطفي من خلال الكتابة يعزّز الأمان، فالكتابة التعبيرية تحوّل الألم إلى كتاب مجازي على الرف، جاهز لإعادة فتحه عن قصد، أي يرسِل إشارة إلى الدماغ: "لا تحتاج إلى حمل هذا العبء بعد الآن".
وإنّ ترجمة المشاعر والأفكار إلى كلمات على الورق هي مهمة عقلية مُعقّدة، تنطوي على استرجاع الذكريات والتخطيط لما يجب فعله بها وإشراك مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة وصُنع القرار، كما يتضمّن أيضًا ترجمة الذكريات إلى لغة ما، وتنشيط الأنظمة البصرية والحركية في الدماغ، كما يمكِن لها أن تحوّل الذكريات قصيرة المدى إلى ذكريات طويلة المدى.
الكتابة وصناعة المعنى
إنّ اختيار الكتابة هو أيضًا اختيار صناعة المعنى، إذ تدلّ الدراسات على أنّ الشعور بالقوة هو شرط أساسي للكتابة، بل نتيجة لها.
كما وثّق الباحثون منذ فترة طويلة، كيف أنّ الكتابة هي نشاط معرفي، نعم يستخدمه الناس للتواصل، ولكنّه أيضًا لفهم التجربة الإنسانية، فالكتابة هي شكل من أشكال التفكير، وهي ممارسة لا يتوقّف الناس عن تعلمها أبدًا.
فالكتابة لديها القدرة على إعادة تشكيل العقل باستمرار، فهي لا تُعبِّر عن الهوية فحسب، بل تبنِيها من الصفر أيضًا.
كذلك فإنّ الكتابة تنظّم حالتك النفسية، فالكلمات التي تكتبها هي في حد ذاتها دليل على التنظيم والمرونة.
بين الكتابة اليدوية والرقمية
إذا كانت الكتابة مفيدة لهذا الحد، فهل تكتب بقلمك أم بلوحة المفاتيح؟ تخيّل أنّك تجلس في محاضرة، وتود تدوين بعض الملاحظات، ربّما تستخدم قلمك كالمُعتاد أو تُخرِج هاتفك لتدوين الملاحظات عليه، ولكن أي الطريقتين أعمق أثرًا وأثبت للمعلومات؟
يقول "فان دير مير" أستاذ علم النفس العصبي في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا: "من المغري جدًا كتابة كل ما يقوله المُحاضر". "إنّه يدخل من خلال أذنيك ويخرج عبر أطراف أصابعك، لكنّك لا تعالج المعلومات الواردة".
ولكن عند تدوين الملاحظات يدويًا، غالبًا ما يكون من المستحيل كتابة كل شيء، بل يتعيّن عليك الانتباه إلى تلك المعلومات ومعالجتها وتحديد الأولويات فيها، ومحاولة ربطها بالأشياء التي تعلّمتها من قبل.
وهذا العمل الواعي المتمثّل في البناء على المعرفة الموجودة لديك، يمكن أن يجعل استيعاب المفاهيم الجديدة أسهل.
اقرأ أيضًا:كيف يُسيّرك عقلك؟ هكذا يعمل الدماغ البشري
الكتابة اليدوية وتحسين الذاكرة
وثّقت العديد من الدراسات العلاقة بين الكتابة اليدوية وتحسين الذاكرة، إذ يتذكّر الناس المعلومات بشكل أفضل عند كتابتها يدويًا.
وحسب بحث عام 2014 في دورية "Psychological Science"، فحص الطلاب الذي يُدوّنون الملاحظات في الفصول الدراسية، كان أولئك الذين كتبوا يدويًا قادرين على الاحتفاظ بالمواد المفاهيمية بشكلٍ أفضل من أولئك الذين كتبوا بلوحة المفاتيح.
كذلك فإنّ الكتابة على لوحة المفاتيح، تُشجِّع على نسخ الكلام حرفيًا تقريبًا، وهي عملية ذهنية سلبية نسبيًا، بينما الكتابة باليد بطيئة جدًا لاتّباع هذا الأسلوب، مما يجبِر الكاتب على إعادة صياغة الكلام، والتفاعل النشط مع المحتوى الذي يُدوِّنه.
كيف يختلف نشاط الدماغ مع الكتابة اليدوية مقارنة بغيرها؟
وفقًا لمراجعة عام 2025 في مجلة "Life"، فإنّ الكتابة اليدوية تستخدم مناطق الدماغ:
- القشرة الحسية الحركية لإعطاء تغذية حسية عند لمس القلم للكتابة.
- منطقة الشكل البصري للكلمات للتعرف إلى الحروف.
- الفص الجداري العلوي للمعالجة المكانية.
- مراكز اللغة، بما في ذلك منطقة بروكا.
من ناحية أخرى فإنّ الكتابة على لوحة المفاتيح، تُنشِّط عددًا أقل من هذه المناطق وتُنتِج ما يصفه الباحثون بـ"مشاركة معرفية أكثر سلبية".
كذلك توصّلت دراسة عام 2024 في دورية "Frontiers in Psychology"، استُخدم فيها رسم الدماغ الكهربائي، إلى أنّ الكتابة اليدوية، حفّزت تذبذبات موجات ثيتا وألفا في الدماغ، وهي أنماط مرتبطة بالتعلّم وتعزيز الذاكرة.
وكانت هذه الأنماط أقوى في أثناء الكتابة اليدوية وأضعف بكثير خلال الكتابة على لوحة المفاتيح.
كما أشارت الدراسة أيضا إلى تواصل أجزاء مختلفة من الدماغ مع بعضها من خلال هذه الموجات -تنشط خلال الكتابة اليدوية- مما يشير إلى مستوى من التكامل العصبي، لا تنتجه الكتابة على لوحة المفاتيح.
ويفترض الباحثون أنّ الاعتماد المتزايد على لوحات المفاتيح، قد يقلّل من تنشيط الدوائر العصبية المشاركة في التعلم وتعزيز الذاكرة، كما أنّ الكتابة اليدوية قد تمنح فوائد طويلة الأمد للحفاظ على وظائف الدماغ.
بناء المرونة الذهنية والنفسية من خلال الكتابة
يمكن الاستفادة من الكتابة في بناء المرونة الذهنية أو النفسية من خلال:
- الكتابة باليد كُلّما أمكن: فهي تتطلّب تنسيقًا معرفيًا أكبر، وإبطاء التفكير، بما يسمح بمعالجة المعلومات وتكوين الروابط وإضفاء المعنى على ما تكتب.
- اكتب يوميًا: ابدأ بالتدريج واجعل الكتابة عادة لا تنقطع، حتى ولو بتدوين ملاحظات موجزة عن يومك، ما حدث وما تشعر به وما تخطط له، فإخراج الأفكار من رأسك، قد يساعد على تقليل التفكير بها.
- اكتب قبل الرد: عندما تتصاعد المشاعر القوية في داخلك، اكتبها أولًا، واحتفظ بدفتر ملاحظات في متناول يدك، واجعل من عادتك كتابة تلك المشاعر قبل القول، فهذا يساعد على التصرّف بشكلٍ أفضل.
- اكتب رسالة لا ترسلها أبدًا: لا تكتف فقط بكتابة مشاعرك، بل وجّهها إلى الشخص أو الموقف الذي يقلقك، بل حتى كتابة رسالة لنفسك، يمكن أن توفّر لك مساحة آمنة للتحرر من دون ضغط رد فعل شخص آخر.
- تعامل مع الكتابة على أنّها عملية تستغرق وقتًا: في كل مرة تقوم فيها بصياغة شيء، وتطلب آراء الآخرين فيه، فإنّك تتدرب على النظر إلى الأمور من وجهات نظر بديلة، وهذا يعزّز الوعي الذاتي ويبني الثقة.
