الشامات ليست مجرد علامات جلدية.. ماذا تكشف عن جسمك؟
تظهر الشامات على وجوهنا وأذرعنا وظهورنا، وتختلف من شخص إلى آخر في عددها وحجمها ولونها، حتى إن بعض الأشخاص يحملون عشرات منها، بينما لا يمتلك آخرون سوى عدد قليل.
ورغم شيوعها، فإن هذه العلامات الصغيرة تثير سؤالًا علميًا مثيرًا: لماذا تتكون الشامات؟، وهل تؤدي وظيفة معينة في الجسم، أم أنها مجرد أثر جانبي لعملية بيولوجية أخرى؟
ويشير علماء الأحياء إلى أن الشامات ليست سمة تطورت لدى البشر لتحقيق فائدة محددة، بل نتيجة جانبية لنظام إنتاج صبغة الجلد، الذي يؤدي دورًا أساسيًا في حماية الخلايا من أشعة الشمس.
كيف تتكون الشامات في الجلد؟
ويبدأ تفسير ظهور الشامات من الخلايا الصبغية، المعروفة باسم الخلايا الميلانينية، الموجودة في الطبقة السفلية من البشرة، تنتج هذه الخلايا صبغة الميلانين المسؤولة عن لون الجلد، كما تمتص الأشعة فوق البنفسجية وتساعد على حماية الحمض النووي داخل خلايا الجلد من أضرارها.
في الوضع الطبيعي، تتوزع الخلايا الميلانينية بصورة منتظمة داخل الجلد، لكن الشامة تتكون عندما تتجمع هذه الخلايا في مجموعة واحدة، مكونة بقعة داكنة تُعرف طبيًا باسم الوحمة الميلانينية.
وتبدأ العملية عادة بتغير جيني صغير داخل إحدى الخلايا الصبغية، ومن بين الجينات المرتبطة بذلك جين BRAF، الذي يؤدي دورًا في تنظيم نمو الخلايا، وعندما يحدث هذا التغير، تبدأ الخلية في الانقسام وتكوين مجموعة من الخلايا المتشابهة، ثم تتوقف عن التكاثر.
وتُعرف آلية التوقف هذه باسم الشيخوخة الخلوية الناجمة عن الجينات المسرطنة، وهي استجابة دفاعية تمنع الخلايا التي تتلقى إشارات نمو غير طبيعية من الاستمرار في الانقسام بلا حدود، وهكذا تصبح الشامة مثالًا واضحًا على إحدى آليات الجسم التي تحد من النمو الخلوي غير المنضبط.
لماذا يمتلك بعض الأشخاص شامات أكثر من غيرهم؟
تلعب الوراثة دورًا كبيرًا في تحديد عدد الشامات، وهو ما يفسر تشابه أعدادها لدى أفراد بعض العائلات، وأظهرت دراسات على التوائم المتطابقة تقاربًا ملحوظًا في عدد الشامات مقارنة بالتوائم غير المتطابقة، بما يدعم وجود تأثير جيني قوي.
لكن الجينات ليست العامل الوحيد؛ إذ تسهم أشعة الشمس، خصوصًا خلال مرحلة الطفولة، في زيادة عدد الشامات، كما يميل أصحاب البشرة الفاتحة إلى امتلاك عدد أكبر منها.
وتظهر معظم الشامات خلال الطفولة وبداية مرحلة البلوغ، ثم يصل عددها عادة إلى ذروته خلال الثلاثينيات أو الأربعينيات، قبل أن يتراجع بعضها أو يختفي مع التقدم في العمر.
علاقة الشامات بطول العمر
كشفت أبحاث عن ارتباط بين كثرة الشامات ووجود تيلوميرات أطول، وهي الأجزاء الواقية الموجودة عند نهايات الكروموسومات، التي تقصر تدريجيًا مع انقسام الخلايا والتقدم في العمر.
كما ربطت دراسة نُشرت في دورية PLOS ONE بين كثرة الشامات وارتفاع كثافة العظام، وتشير هذه النتائج إلى احتمال وجود علاقة بين الشامات وبعض المؤشرات المرتبطة ببطء الشيخوخة، لكنها لا تثبت أن الشامات نفسها تطيل العمر أو تبطئ التقدم في السن.
وفي المقابل، تحمل كثرة الشامات جانبًا صحيًا يستحق الانتباه؛ إذ تُعد من أبرز عوامل الخطر المعروفة للإصابة بسرطان الجلد الميلانيني، وتشير دراسات إلى ارتفاع احتمالات الإصابة لدى الأشخاص الذين يمتلكون أعدادًا كبيرة منها.
متى تستدعي الشامة زيارة الطبيب؟
معظم الشامات حميدة ولا تتحول إلى سرطان، لكن من المهم الانتباه إلى أي تغير يطرأ عليها، وينصح أطباء الجلدية باستخدام قاعدة ABCDE لملاحظة العلامات التحذيرية، وتشمل عدم التماثل بين نصفي الشامة، وعدم انتظام حدودها، وتفاوت ألوانها، وزيادة قطرها على حجم ممحاة قلم الرصاص، إلى جانب تطورها أو تغير حجمها وشكلها ولونها.
كما يستحق ظهور شامة جديدة خلال مرحلة البلوغ أو وجود شامة تختلف بوضوح عن بقية الشامات فحصًا طبيًا.
وفي النهاية، لا تحمل الشامات وظيفة تطورية مستقلة، لكنها تكشف جانبًا من آليات الجسم المعقدة؛ فهي نتيجة لنشاط الخلايا الصبغية، وفي الوقت نفسه تذكير بقدرة الجسم على إيقاف نمو الخلايا غير الطبيعي قبل أن يتحول إلى مشكلة أكبر.
