راكان طرابزوني يكتب لـ«الرجل» : خداع الذات
في بدايات مسيرتي المهنية، طلب مني مديري الحضور معه إلى أحد اجتماعات المدير العام للإدارة مع أعضاء الفريق، لتدوين ملاحظات ومخرجات الاجتماع. شهدت حينها موقفًا بدا غريبًا، فقد تعامل المدير العام بفوقية واضحة مع أحد أعضاء فريقه، رافضًا سماع وجهة النظر الأخرى، ومتهمًا الموظف بالإهمال وعدم التركيز في عمله. لم أفهم وقتها لماذا رفض أن يسمع، ولا أزعم أنني أعرف الإجابة، لكنني رأيت ما فعله ذلك الرفض بالفريق. بطبيعة الحال، لم أقل شيئًا. لم يكن موقعي يسمح، وقلت لنفسي إن هذا ليس شأني.
ولم أفهم الدرس حينذاك. ولكن تعلمت لاحقًا أنه في عالم القيادة، عند مواجهة التحديات، غالبًا ما نلجأ إلى الخارج للبحث عن أسباب التعقيد: فريق غير متعاون، أو مدير غير واضح، أو مؤسسة أنظمتها قديمة. نرى المشكلة في الآخرين، في الظروف والسياسات، ونادرًا ما نركز على أنفسنا. ولكن الخبرة تعلمنا أن معظم التحديات تبدأ من نقطة واحدة نميل إلى إنكارها: نحن أنفسنا.
كتاب "القيادة وخداع الذات" من معهد أربينجر يطرح فكرة مهمة، وهي أن القائد قد يعيش داخل عالم منغلق يحجب عنه رؤية الواقع بوضوح، أو كما يصفه الكتاب مجازًا بالصندوق. يدخل القائد هذا الصندوق عندما يتجاهل إحساسه الداخلي بالصواب، مثل أن يتجاهل حاجة زميل، أو يؤجل حديثًا مهمًا، أو يصدر حكمًا سريعًا على شخص. في تلك اللحظة، يبدأ العقل في صياغة قصة تبرر هذا التصرف، معللاً أن الآخر لا يستحق المساعدة، أو أن الأمور مبالغ فيها، أو أن هناك عوائق في الوقت أو الفهم. مع تكرار التبريرات، تتغير نظرة القائد تجاه الآخرين، فيصبحون عقبات، أو أدوات، أو تفاصيل غير مهمة، وهنا ينشأ خداع الذات، ويفقد القائد تأثيره الحقيقي.
هذا الموضوع مهم اليوم لأن القيادة الحديثة تعمل في بيئة عالية الضغط: قرارات سريعة، وتوقعات كبيرة، وفرق متعددة الخلفيات. في هذا السياق، يصبح الدخول إلى الصندوق أسهل من أي وقت مضى. فالقائد مشغول، والأهداف تتراكم. والنتيجة أننا نرى الناس من خلال قصصنا، لا من خلال حقيقتهم. والخطر الأكبر هو أن القائد داخل الصندوق لا يعرف أنه داخل الصندوق.
وهناك إشارات كثيرة واضحة، لكنها تحتاج إلى صدق مع الذات. ومنها لوم الآخرين بشكل متكرر، أو الشعور بأنك الوحيد الذي يرى الأمور بوضوح، أو حتى الدفاع المفرط عند النقد. هذه العلامات ليست دليلًا على ضعف القيادة، بل على إنسانيتها. كلنا معرضون لدخول هذه العزلة وهذا الصندوق، لكن القائد الحقيقي هو من يخرج منه.
الخروج يبدأ من لحظة بسيطة: أن تلاحظ اللحظة التي خنت فيها إحساسك الداخلي. هذه اللحظة هي باب الدخول، وهي أيضًا باب الخروج. بعدها يأتي التحول الأهم: استبدال الفضول بالحكم. بدل أن تسأل لماذا فعلوا ذلك، اسأل ما الذي يمرون به، وما الضغوط التي يعيشونها، وكيف ساهمت أنت في المشكلة. الفضول يكسر القصة التي بناها العقل. ثم يأتي الفعل الصحيح الذي تجاهلته: أن تساعد، أن تستمع، أن تعترف بدورك، وأن تصحح المسار. هذه الأفعال الصغيرة تفتح نافذة في الصندوق، ثم بابًا كاملًا. والخطوة الأعمق هي أن ترى الناس كأشخاص، لا كأدوار. فالإنسان قبل الوظيفة، والنية قبل الأداء. هذه النظرة ليست مثالية، بل عملية جدًا. فالقائد الذي يرى الناس بوضوح، يستطيع القيادة بوضوح.
في مؤسساتنا العربية، حيث تؤدي العلاقات دورًا حيويًا وتعد الثقة العملة الأساسية، يصبح هذا المفهوم أكثر أهمية. ويتطلب الأمر بناء ثقافة تتقبّل الأخطاء بدلًا من إخفائها، وتدريب القيادات على الوعي الذاتي لا على المهارات الإدارية وحدها.
القيادة ليست مجرد مجموعة أدوات نستخدمها، بل هي حالة داخلية نعيشها. أحيانًا تكون المشكلة ليست في الآخرين، بل في الطريقة التي نراهم بها. قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير، يجب أن نرى أنفسنا بوضوح. الخروج من الصندوق ليس اعترافًا بالخطأ بقدر ما هو بداية للقيادة الحقيقية.
"نحن لا نرى العالم كما هو، بل نراه كما نحن" – ستيفن كوفي
