ليست حتمية بيولوجية.. لماذا يموت الرجال في سن أصغر من النساء؟
ساد اعتقاد قديم ومستقر لدى الكثيرين بأن الرجال يموتون في سن أصغر من النساء كحقيقة بيولوجية ثابتة لا مفر منها، تمامًا مثل قانون الجاذبية الذي لا يمكن التشكيك فيه أو التهرب من نتائجه الحتمية.
غير أن قراءة متأنية للواقع المعاش وتحليلاً دقيقًا للبيانات والمشاهدات اليومية يُظهران أن الحقيقة تعتمد على عوامل وسلوكات وظروف بيئية قابلة للتغيير، وليست مجرد جينات ووراثة مقدرة سلفًا في الرمز الجيني.
قصة إنسانية عن العزلة وتراجع الجودة
وفقًا لمنصة "سيكولوجي توداي"، تتجلى هذه القضية في تحولات إنسانية لافتة وعميقة؛ فقد عاش أحد الآباء حياة لا تعتمد على بناء علاقات اجتماعية واسعة وممتدة بمفهومها التقليدي، حيث كان يمكن حصر أصدقائه في الحياة على أصابع اليد الواحدة، لكنه كان يحرص دائمًا على التواجد بين الناس بطريقته الخاصة والمستقلة.
وكان يتردد بانتظام على متجر المستلزمات، أو المركز التجاري، أو مطاره المفضل ليجلس بالساعات يراقب حركة الطائرات ووداع المسافرين واستقبالهم، وهو ما يمثل صيغته الخاصة للتواصل البشري والشعور بالوجود وسط المجتمع.
ومع اندلاع جائحة كورونا وفرض الإغلاق الشامل في البلاد، توقفت كافة هذه المنافذ وتلاشى خروجه المعتاد للعالم المفتوح، لينحصر يومه بالكامل بين جدران المنزل ومتابعة شاشة التلفاز برفقة زوجته.
أدى هذا التغير المفاجئ والكامل في نمط الحياة اليومي إلى تحول واضح وشديد في سلوكه؛ حيث أصبح أكثر غضبًا وأكثر إقبالاً على مشاهدة التلفاز بشكل غير مسبوق في حياته، وسرعان ما تعرض لجلطة دماغية مفاجئة أدت إلى تراجع قدراته والتحول إلى الخرف، ثم تلا ذلك تشخيصه بمرض ألزهايمر، ليتدهور وضعه الصحي والبدني بسرعة فائقة ويرحل عن الحياة قبل زوجته التي لا تزال على قيد الحياة، عن عمر ناهز 85 عامًا.
وتكمن المفارقة الحقيقية والمؤلمة في أن والده عاش حتى سن الـ90، بينما وصل جده في العمر إلى سن 95 عامًا، واستطاعت زوجة جده الوصول إلى 99 عامًا.
ولم تكن المشكلة الأساسية مجرد رحيله في سن أصغر مقارنة برجال أسلافه في العائلة، بل في الكيفية القاسية التي مرت بها سنواته الأخيرة ومعدل تدهورها؛ مما يطرح تساؤلاً ملحًا ومستمرًا حول الحجم الحقيقي لتأثير الجائحة والعزلة المفروضة على رجل كان يعتمد مجتمعه وحياته بأكملها على مجرد التواجد والتجول في العالم الخارجي.
الفجوة بين الجنسين بين البيولوجيا والبيئة
تكشف التحليلات الحديثة الصادرة عن المعهد الأمريكي للبنون والرجال حول فجوة أمل الحياة بين الذكور والإناث في الدول الغنية عن حقيقة نادرًا ما يسمع بها الرجال عن أنفسهم؛ إذ إن حجم هذه الفجوة يتفاوت بشكل صارخ وملاحظ من دولة لأخرى، حيث يتراوح بين 2.5 سنة فقط في بعض البلدان ليصل إلى 12.7 سنة في بلدان أخرى، كما أنه يواصل التضاؤل والانكماش منذ عقود طويلة في معظم المناطق حول العالم.
ولو كان هذا التفاوت محكومًا بالبيولوجيا الصرفة والكروموسومات الفردية، لكانت هذه الفجوة متماثلة وثابتة في كل مكان وزمان دون أي تغيير.
وعلى سبيل المثال، تمكنت ليتوانيا من تقليص الفجوة المذكورة لدى مواطنيها بشكل ملموس من خلال تشديد قوانين وإجراءات السلامة المرورية على الطرقات؛ فلم تتغير الكروموسومات لدى الذكور هناك بشكل سحري، بل أصبحت الطرق أكثر أمانًا وانخفضت الحوادث، مما أدى إلى انخفاض وفيات الرجال عليها واستعادتهم لسنوات من أعمارهم.
وتؤكد هذه المعطيات الواقعية أن مقولة الرجال يموتون أصغر سنًا ليست حقيقة حتمية أو حكمًا مقدرًا من حقائق الحياة، بل هي مجرد وصف دقيق لمجموعة من الظروف والشروط البيئية والاجتماعية التي تم القبول بها والتعايش معها كأمر واقع دون محاولة تغييرها.
