«التأثير التضادي».. لماذا يستجيب أصحاب الاستعداد الوراثي المنخفض للتدخين أكثر من غيرهم؟
لا يعني وجود استعداد وراثي مرتفع للتدخين أن الصدمات النفسية ستزيد من خطر الإدمان تلقائيًا.
وأظهرت دراسة أجراها فريق جامعة هارفارد، بقيادة الباحث هنري جاريسون-ديساني، تأثيرًا عكسيًا: كلما زاد الاستعداد الوراثي للشخص نحو التدخين، قلّ أثر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة في دفعه لاستخدام التبغ.
وفي المقابل، فإن الأشخاص الذين يمتلكون استعدادًا وراثيًا منخفضًا يظهرون ارتباطًا أقوى بين الأعراض النفسية وبداية التدخين أو زيادة معدلاته.
وأفادت أحدث البيانات البحثية المنشورة في مجلة Translational Psychiatry، بأن التفاعل بين العوامل البيولوجية والبيئية في حثّ الأفراد على التدخين لا يسير وفق نمط تراكمي خطي، بل يخضع لآليات أكثر تعقيدًا تُعرف بـ"التأثير التضادي".
وأوضحت النتائج أن عدم وجود استعداد وراثي للتدخين لا يضمن الوقاية التامة، بل على العكس؛ إذ يغدو الأشخاص الأقل عرضة جينيًا أكثر حساسية وتأثرًا بالضغوط البيئية والأزمات النفسية الناتجة عن الصدمات، ما يجعل العامل النفسي حاسمًا في توجههم نحو التبغ.
علاقة الصدمة بالتدخين
استندت الدراسة إلى تحليل بيانات 2,973 بالغًا؛ حيث أجرى الباحثون فحوصات للحمض النووي لكل مشارك لحساب "درجة الخطر الجيني المتعددة المواضع".
وتُعد هذه الدرجة أداة إحصائية تجمع آلاف التغيرات الجينية الدقيقة لتحديد مؤشر رقمي واحد يعكس مدى الاستعداد الوراثي للفرد لممارسة سلوك معين.
وشملت الدراسة مشاركين من أصول أفريقية وأوروبية وأمريكية لاتينية، واستخدم الفريق طرقًا إحصائية متخصصة تراعي تعدد الأصول الوراثية، وهو ما تفتقر إليه معظم الأبحاث السابقة التي ركّزت على السكان الأوروبيين حصرًا.
وقاس الباحثون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بعد 8 أسابيع من الصدمة، ثم رصدوا أنماط التدخين بعد ستة أشهر.
وقسّموا أعراض الاضطراب إلى 4 فئات: التجنب، والاستثارة الزائدة، والإدراك السلبي والمزاج، وإعادة عيش الصدمة.
أعراض بعينها ترتبط بالتدخين أكثر من غيرها
ليست كل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة متساوية في تأثيرها على التدخين؛ فالدراسة حددت نوعين من الأعراض يُظهران تفاعلاً قويًا مع الاستعداد الوراثي: أعراض إعادة عيش الصدمة كالكوابيس والذكريات المتطفلة، وأعراض التغيرات السلبية في الإدراك والمزاج كالمشاعر السلبية المستمرة والمعتقدات المشوّهة عن الذات.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الأقل استعدادًا جينيًا للتدخين كانوا الأكثر تأثرًا بالأعراض النفسية، حيث سجلوا أعلى قفزة في الاستهلاك مقارنة بغيرهم ضمن الفئتين.
في المقابل، لم يظهر هذا النمط مع المواد الممنوعة، حيث أخفقت درجات الخطر الجيني في التنبؤ بأنماط الاستهلاك لدى المجموعات الأخرى، باستثناء المشاركين من الأصول الأوروبية الذين ارتبطت لديهم بشكل موثوق فقط.
ويُرَجِّح الباحثون أن ارتفاع معدلات الاستهلاك قبل وقوع الصدمة قد أخفى أي تغييرات مرتبطة بالحدث الصادم نفسه.
علاقة الجينات بالتدخين والصدمة
رغم قوة المنهجية، تعترض الدراسةَ قيودٌ جوهرية، وتعتمد على بيانات ذاتية التقرير لقياس استهلاك المواد، ما يفتح الباب أمام التقليل من الإفصاح.
وتتمركز الصدمات المدروسة حول حوادث السيارات، وهي تختلف في أعراضها عن صدمات الحروب أو الإيذاء المزمن.
الأهم من ذلك أن قواعد البيانات الجينية المرجعية لا تزال تعكس بصورة رئيسة السكان الأوروبيين، ما يجعل مؤشرات الخطر الجيني أقل دقة لدى الأفراد من الأصول الأفريقية والأمريكية الأصلية.
وتوسيع قواعد البيانات الجينية عبر أصول متنوعة ضرورة علمية ملحّة لضمان دقة هذه المؤشرات على المستوى العالمي.
وتُشير النتائج إلى وجود عتبة خطر في استخدام المواد لدى الناجين من الصدمات. من يحمل خطرًا بيولوجيًا مرتفعًا للتدخين قد لا تُضيف إليه الصدمةُ كثيرًا، بينما يكون من لا يحمل هذه الاستعداد أشد تأثرًا بالضغط النفسي الناجم عنها.
وتحديد الأعراض المحددة التي تدفع نحو استخدام المواد قد يُمكّن الأطباء مستقبلاً من تصميم برامج علاجية مخصصة للناجين من الصدمات وفق ملفاتهم الجينية والنفسية معًا.
