بين الإقلاع والانتكاسة.. كيف يتعامل الدماغ مع التدخين؟
رحلة شاقّة يقطعها من يرغب في الإقلاع عن التدخين، ورغم النجاح فيها أخيرًا، فإنّ أمورًا بسيطة قد تؤدي إلى الانتكاسة بعد التدخين، كأن يرى المرء أحدًا يُدخِّن أو أن يجلس في مكان اعتاد أن يُدخِّن فيه سابقًا، فتشتعل فيه تلك الرغبة التي يُدرِكها جيدًا، حتى بعد مرور أشهر من إقلاعه عن التدخين.
فهل تلك الرغبة أمر حتمي يستمرّ إلى الأبد أم أنّ لها ما يُحفّزها ولم تُدرِكه بعد؟ وكيف تتخلّص منها إنْ داعبت تفكيرك؟
ماذا يحدث لجسمك بعد الإقلاع عن التدخين؟
تبدأ أعراض انسحاب النيكوتين في الظهور بعد الإقلاع عن التدخين، ولكن يختلف توقيت وشدّة الأعراض من شخصٍ لآخر، وعادةً ما يسير الأمر على النحو الآتي، حسب "Cleveland Clinic":
- تبدأ أعراض الانسحاب بعد 4 إلى 24 ساعة من آخر جرعة من النيكوتين (التدخين).
- تصل أعراض الانسحاب إلى ذروتها في اليوم الثاني أو الثالث من الإقلاع عن التدخين.
- تتلاشى الأعراض على مدى أيام إلى 3 أو 4 أسابيع.
أمّا أعراض انسحاب النيكوتين الشائعة، فتشمل الرغبة الشديدة في التدخين، وسُرعة الانفعال أو الغضب، والشعور بالحُزن أو الاكتئاب، ومشكلات التركيز، والأرق.
الانتكاسة بعد التدخين
رغم اختفاء أعراض انسحاب النيكوتين بعد مرور 3 أو 4 أسابيع من تدخين آخر سيجارة، فإنّ الإقلاع عن التدخين ليس يسيرًا؛ إذ يتعيّن عليك أن تُكافِح حالة الاعتماد الجسدي والعقليّ على النيكوتين؛ إذ ربّما كان التدخين وسيلة لتقليل التوتر أو عادةً لك في أوقات مُعيّنة.
وعادةً ما تكون الرغبة الشديدة في التدخين أقوى في الأيام القليلة الأولى بعد الإقلاع عن التدخين، ولكن مع تقدّمك خلال الشهور الأولى، تضعف تلك الرغبة، وبحلول 6 أشهر من عدم التدخين، من المُرجّح أن تزول تلك الرغبة تمامًا.
رغم ذلك أشارت دراسة قديمة عام 2010 في مجلة "Nicotine & Tobacco Research" إلى أنّ نحو 60% من المُدخّنين أفادوا ببعض الرغبة في التدخين على الأقل خلال العام الماضي، بينما كان 11% فقط لديهم رغبة شديدة وطويلة الأمد في التدخين.
وقد دعمت دراسة أخرى عام 2015 في مجلة "Frontiers in Psychiatry" هذه الأرقام، ما يشير إلى أنّ أقلية فقط من المدخنين السابقين يعانون رغبة شديدة في التدخين مجددًا بعد 6 أشهر من الإقلاع عنه.
لماذا قد تعاودك الرغبة في التدخين
ثمّة كثير من الأشياء التي قد تواجِهك كلّ يوم، والتي ربّما تُعِيد إليك الرغبة في التدخين، مثل رؤية شخصٍ يُدخِّن، أو أن تكون موجودًا في مكان اعتدت فيه التدخين من قبل، أو أن يكون مزاجك سيئًا.
لذا إن عاودتك رغبة التدخين بعد أشهر من الإقلاع عنه، فربّما كان ذلك بسبب مُحفّزات في البيئة الخارجية من حولك، أو ربّما بعض الأفكار والمشاعر التي تسلّلت إلى نفسك.
فعواطفك ذاتها، كأن تكون سعيدًا أو حزينًا، مُحفّزات قويّة للرغبة الشديدة في التدخين، حسب ما ذكره موقع "Verywell mind".
هل يسلبك عقلك إرادتك حين تُفكّر في التدخين مجددًا؟
ربّما عندما تكون موجودًا في سيارتك يتكرّر التفكير في التدخين رغم أنّك أقلعت عنه منذ شهور، وقد يكون ذلك لأنّ الدماغ ربط بعض الأنشطة بالتدخين، ومِنْ ثمّ فعندما تؤدي الأنشطة نفسها -وجودك في السيارة مثلًا- فإنّ العقل لا يزال ينتظر منك سيجارة.
الجينات لاعِب خفيّ يثِير الرغبة في التدخين
لكن هذا ليس كلّ شيء؛ إذ أظهرت دراسة عام 2015 في مجلة "The Neuropharmacology of Nicotine Dependence" أنّ للجينات دورًا في الرغبة الشديدة في التدخين، فقد تكون أكثر عرضةً من غيرك للمعاناة من رغبات طويلة الأمد في التدخين بعد الإقلاع عنه بسبب جيناتك.
هل ستُطارِدك الرغبة في التدخين دائمًا؟
كما سبق، فإنّه بعد الإقلاع عن التدخين مباشرةً؛ تدخل في مرحلة انسحاب النيكوتين، التي من الطبيعي حينها أن تشعر برغبة متكرّرة وشديدة في تدخين سيجارة، ولكن عادةً ما تنحسِر تلك الرغبة في غضون 3 إلى 4 أسابيع.
ومع استمرارك في عدم التدخين، تنخفض وتيرة وشدّة رغبتك في العودة إلى التدخين من جديد، وربّما تنتابك الرغبة من حين لآخر بعد أشهر من الإقلاع عن التدخين.
فقد توصّلت دراسة عام 2015 في مجلة"Frontiers in Psychiatry" إلى أنّ الأفراد قد يظلّون يعانون رغبة شديدة في التدخين بعد 6 أشهر من الإقلاع عنه
ولكن بيّنت دراسة أخرى عام 2019 في مجلة "Tobacco Induced Diseases" أنّ الأشخاص الذين أقلعوا عن التدخين بالفعل كانوا أقل عرضةً بكثيرٍ للرغبة الشديدة في التدخين بعد انقضاء عامهم الأول، لذا من غير المُرجّح أن تستمرّ رغبة التدخين في مداعبة خيالك طوال العُمر.
كيف تتخلّص من الرغبة في التدخين إن داعبت تفكيرك مجددًا؟
مع ذلك ينبغي أن تكون متأهبًا إن واتتك رغبة في إشعال سيجارة، وألّا تتعجّل وراء رغبتك، فهذا قد يُفسِد ما بدأته، لذا قد تساعدك هذه النصائح على الاستمرار في رحلتك نحو الإقلاع عن التدخين:
1. ضع خُطة للعناية الذاتية
احرص على أن تعتني بنفسك جيدًا على الأصعدة كافة، بأن تتناول طعامًا مُغذيًا، وتنام جيدًا، فهذا يساعد على تخفيف التوتر الجسدي والعاطفي الذي لو تُرِك قد يُشعِل رغبة التدخين خصوصًا لو اعتدت التدخين سابقًا عندما تتوتر.
كذلك يُنصَح بممارسة التمارين الرياضية يوميًا، حتى لو كان ذلك بالمشي لمسافة قصيرة، فهذا يحسّن مزاجك ويدعم مستويات الطاقة، كما يدعم جسمك في أثناء تعافيه من سنوات التدخين.
2. ذَكِّر نفسك بأسباب انقطاعك عن التدخين
فكِّر مرة أخرى في الوقت الذي اتخذت فيه قرارك بالإقلاع عن التدخين، هل كان بسبب تحذير طبي مثلًا؟ أم كانت هناك مجموعة من الأمور التي تراكمت على مرّ السنين؟ أم أنّك شعرت بالحرج عندما لم تتمكّن من التوقف عن السعال في أثناء اجتماع مهم في العمل؟ أم بسبب ما تنفِقه على السجائر من ميزانيتك؟
لا تملّ من تذكير نفسك بين الحين والآخر بسبب انقطاعك عن التدخين ابتداءً؛ إذ عندما تُحِيط بك رغبة التدخين، فقد تشعر أنّك ليس أمامك سوى أن تُشعِل سيجارة كي تزول تلك الرغبة، ولكن هُنا تحديدًا يجب أن تُذكِّر نفسك بالطريق الذي بدأت فيه وقطعت فيه شوطًا طويلًا، ولماذا بدأته أصلًا.
كما يمكنك التركيز على الجوانب الإيجابية التي ستستفيد منها بالإقلاع عن التدخين، مثل تحسّن صحتك أو الوقاية من بعض الأمراض التي يُسبّبها التدخين.
3. جدِّد عاداتك وابحث عن حيلة لعقلك
ما الذي يثِير رغبتك الشديدة في التدخين مجددًا؟ ربّما مكان ما ارتبط في ذهنك بالتدخين أو عادة مُعيّنة، وهذا سيحتاج منك إلى بذل بعض الجهد لتغيير تلك العادة.
فإن اكتشفت أنّ عادةً ما أو مُحفِّزًا مُعيّنًا يدفعك إلى التفكير في إشعال سيجارة، فإنّ تجنّب تلك العادة أو المُحفّز هو الخطوة الأولى.
ولكنك قد تصطدم بمكانٍ ما أو أُناس مُعيّنين، وهؤلاء ليس بمقدورك تغييرهم، لذا ينبغي حينها اللعب على طريقة ارتباط دماغك بالمحفّزات.
وليس بالضرورة أن تقلب حياتك بأكملها رأسًا على عقب، لكن مثلًا لو كانت رغبة التدخين تطاردك في سيارتك عند الذهاب إلى العمل، فحاول أن تتخذ طريقًا مختلفًا للوصول إلى هناك.
نعم قد لا يغيّر هذا ربط العقل للتدخين في السيارة، ولكن يمنحه ما يُلهِيه قليلًا بالتركيز على الطريق الجديد وأنّك تود أن تصل دون أن تتأخّر عن عملك.
ختامًا، لا تنس أنّك بعد تجاوز أعراض انسحاب النيكوتين تخطّيت المرحلة الصعبة، ومهما عاودتك رغبة التدخين بعد أشهر من الإقلاع عنه، فاهتمّ بنفسك وابتعد عما يُوتِّرك، وتجنّب ما يُحفّز فيك تلك الرغبة قدر استطاعتك.
