في اليوم العالمي للشباب.. كيف يتعافى القادة من الاحتراق الوظيفي؟
يحتفل العالم باليوم العالمي للشباب، الذي يسلّط الضوء على قضاياهم وتحدياتهم، ومنها تصاعد معدلات الاحتراق الوظيفي بينهم مقارنةً بالأجيال الأكبر سنًا.
ولا تقتصر أخطار الاحتراق الوظيفي على الموظفين الشباب فحسب، بل تمتد أيضًا إلى القادة؛ إذ ينتقص الاحتراق الوظيفي من رضا المرء عن عمله ويحدّ من استمتاعه به.
وربّما يعاني الشباب هذا نتيجة محاولاتهم المستمرّة في تقديم أفضل ما لديهم في العمل، وطموحاتهم العالية، التي قد تدفعهم دون أن يقصدوا إلى استنزاف طاقتهم وشغفهم. فكيف يمكِن إحياء الشغف من جديد والتعافي من الاحتراق الوظيفي؟
ما هو اليوم العالمي للشباب؟
يُخصّص يوم 12 أغسطس من كلّ عام ليكون اليوم العالمي للشباب، وللفت انتباه المجتمع الدولي إلى قضايا الشباب، والاحتفال بإمكاناتهم أيضًا.
وقد اقتُرحت فكرة اليوم العالمي للشباب في عام 1991 من قِبل الشباب الذين اجتمعوا في فيينا بالنمسا، لحضور الدورة الأولى للمنتدى العالمي للشباب التابع لمنظومة الأمم المتحدة.
فأوصى المنتدى بإعلان يوم دولي للشباب؛ خصوصًا بهدف جمع التبرعات والترويج لدعم صندوق الأمم المتحدة للشباب بالشراكة مع المنظمات الشبابية.
كيف زادت نسبة الإصابة بالاحتراق الوظيفي بين الشباب؟
يُعدّ الشباب أكثر عرضةً للإصابة بالاحتراق الوظيفي، فحسب بحث نشره منتدى المستقبل "Future Forum" عام 2023، فإنّه من بين 10,243 عاملًا بدوام كامل يعملون في المكاتب شملهم الاستطلاع في ستة بلدان، قال أكثر من 40% إنّهم يشعرون بالاحتراق الوظيفي.
كما قال ما يقرب من نصف الأشخاص (48%) ممن تراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا إنّهم يشعرون بالاحتراق الوظيفي، مقارنةً بـ40% من أقرانهم الذين تبلغ أعمارهم 30 عامًا فأكثر.
كذلك خلصت دراسة عام 2019 في دورية "BJGP Open" إلى أنّ الاحتراق الوظيفي أكثر شيوعًا بين الشباب مقارنةً بالأجيال الأكبر سنًا، وذلك لأنّ الشباب يتمتّعون بأخلاقيات عمل والتزام أعلى حسب ما ذكرته الدراسة.
ما هو الاحتراق الوظيفي؟
ضُمِّن الاحتراق الوظيفي أو النفسي "Burnout" في المراجعة الحادية عشرة للتصنيف الدولي للأمراض "ICD-11" كظاهرة مهنية، وليس حالة طبية.
ويُعرَّف في هذا التصنيف على أنّه متلازمة يُتصوّر أنّها ناجمة عن ضغوط مزمنة في مكان العمل ولم يتم إدارتها بنجاح، وتتسم بثلاثة أمور:
- الشعور باستنزاف الطاقة أو الإرهاق.
- الإحساس بالانفصال عن الوظيفة، أو الشعور بالسلبية أو التشاؤم فيما يتعلّق بالوظيفة.
- انخفاض الفاعلية أو الإنتاجية في العمل.
لماذا يُعدّ القادة أكثر عرضة للاحتراق الوظيفي؟
يُعدّ القادة خصوصًا ذوي الأداء العالي أكثر عرضةً للاحتراق الوظيفي؛ إذ أظهر بحث عام 2025 في منصّة " Quixy" أنّ 65% من القادة يعانون أعراض الاحتراق الوظيفي، ما يُسهِم في انخفاض الإنتاجية، وزيادة وتيرة الغياب، وارتفاع معدّل دوران الموظّفين داخل فرقهم.
وربّما تُعزى زيادة نسب الاحتراق الوظيفي بين القادة الشباب للأسباب الآتية:
1. أعباء العمل الهائلة
حتى لو كان القائد من ذوي الأداء العالي، فإنّ عبء العمل المتزايد باستمرار قد يجعله يفقد حافزه؛ إذ يشعر دائمًا بأنّه متأخّر أو أنّه لا يتلقّى الدعم الكافي في مواجهة كلّ تلك الأعباء، ما يجعل من السهل الوقوع في دورة من التوتر وانخفاض الأداء.
2. الجغرافيا وضعف التوازن بين العمل والحياة
كذلك تختلف مستويات الاحتراق الوظيفي بين البلدان بسبب اختلاف ثقافات العمل، ففي الهند مثلًا يُبلِغ 62% من الموظفين عمومًا عن الاحتراق الوظيفي؛ أي ثلاثة أضعاف المتوسّط العالمي، ويرجع ذلك أساسًا إلى ضعف التوازن بين العمل والحياة.
3. التوقعات العالية وساعات العمل الطويلة
قد يحمل القادة توقّعات عالية، يصعب الوصول إليها، ومِنْ ثمّ قد تؤدي الحاجة إلى التفوق المستمر وتلبية التوقعات العالية إلى احتراق وظيفي، ولو انضمّ إلى ذلك ساعات العمل الطويلة، لربّما انكمش الحد الفاصل بين العمل والحياة الشخصية، ما يترك المرء أكثر عرضة للاحتراق الوظيفي.
4. الكمالية وإهمال الرعاية الذاتية
لا تنشأ التوقعات العالية من فراغ، فربّما كان القائد يتسم بصفات كمالية، يسعى إلى أن يكون كلّ شيء مثاليًا، فيخلق معايير غير واقعية، تُرهِقه دون أن يتمكّن من الوصول إليها، وفي النهاية ينتظره الاحتراق الوظيفي.
كذلك فإنّ عدم إعطاء الأولوية للراحة أو الاسترخاء أو الانخراط في بعض الأنشطة الترفيهية خارج إطار العمل، قد يجعل من السهل الوقوع في الاحتراق الوظيفي.
أهم علامات الاحتراق الوظيفي
تضمّ أهم علامات الاحتراق الوظيفي، حسب "Cleveland Clinic":
1. الإرهاق
يُعدّ الإرهاق أحد الأعراض الرئيسة للاحتراق الوظيفي، فقد تشعر بالرغبة في النوم طوال الوقت، أو قد تجد أنّ المهام البسيطة تستغرق وقتًا أطول لإكمالها.
2. اللامبالاة وعدم الرضا
كلُّ شخص لديه أيامه التي لا يجد فيها رغبة في الذهاب إلى العمل، ولكن مع الاحتراق الوظيفي، فإنّ هذه المشاعر قد تستمرّ ولا تكون عابرة، وربّما يسأل المرء نفسه عن الهدف من وظيفته، وما إذا كان سيُحدِث فرقًا، وهل يستمتع بما يفعله أم يؤدّي وظيفة روتينية فحسب.
3. تغيّرات في أنماط الأكل والنوم
أيضًا قد تأكل أكثر أو أقل من المُعتاد، أو تغيّر نظامك الغذائي عمّا اعتدت، وكذلك قد تجد نفسك تنام أكثر أو أقل من المُعتاد، أو في أوقات مختلفة لم تعتدها قبل ذلك.
4. صداع التوتر
بينما تعيش في دوّامة مستمرّة من التوتر، وتسلّلت إليك مشكلات النوم، وتوتّرت عضلاتك أيضًا، فإنّ هذا النوع من الصداع نتيجة طبيعية، الذي يكون أشبه بضغط على الجبهة والصدغين.
5. أعراض جسدية أخرى
الاحتراق النفسي ليس فقدانًا للشغف أو مجرد انخفاض عابر في الإنتاجية، بل قد يترك أعراضًا جسدية، مثل آلام الظهر، وأعراض الجهاز الهضمي، كالإمساك أو الإسهال.
كيف تتعافى من الاحتراق الوظيفي؟
مع ذلك، يظلّ من الممكن التعافي من الاحتراق الوظيفي باتّباع الخطوات الآتية:
- أخذ فترات راحة: فهذا يساعد على تقليل أعباء العمل الهائلة، ويتيح لك بعض الوقت للتواصل مع نفسك، ومعرفة ما إذا كان الاحتراق الوظيفي قد تمكّن منك أم لا.
- الفصْل بين العمل والحياة الشخصية: من السهل التعرض للاحتراق الوظيفي حين لا نستطيع رفض أي مهمة تُسنَد إلينا، لذا فإنّ وضع حدود صارمة تفصل بين العمل والحياة الشخصية ضروري لتجنّب الاحتراق النفسي، وقد يساعد على ذلك منع إشعارات البريد الإلكتروني بعد انتهاء ساعات العمل.
- إنشاء روتين يومي: يدعم ذلك أيضًا الفصل بين العمل والحياة الشخصية، بأن تُخصِّص أوقاتًا ثابتة للأنشطة غير المرتبطة بالعمل، مثل النوم وتناول الطعام والوجود مع العائلة والأصدقاء.
- البحث عن إنجازات من نوعٍ مختلف: يمكِن للهوايات والعمل التطوعي والعلاقات الاجتماعية أن تعطِي حياتك مذاقًا مختلفًا، وإنجازات من نوعٍ آخر غير إنجازات العمل التي تطارِدها باستمرار، وربّما تكتشف أمورًا ممتعة في طريقك تُبعِد عنك الاحتراق الوظيفي.
هل يكفي أسلوب الحياة البطيئة لمواجهة الاحتراق الوظيفي؟
زيادة على ما سبق، فإنّ أسلوب الحياة البطيئة -الذي يتعلّق بالاستمتاع بكلّ لحظة، وبذل مزيدٍ من الطاقة والمتعة في أشياء أقل- قد يساعد على مواجهة الاحتراق الوظيفي.
ولا يتعلّق أسلوب الحياة البطيئة بهجر التقنية الحديثة، بل بإنشاء فترات تتوقّف فيها لالتقاط أنفاسك بدلًا من المطاردة التي لا تنتهي وراء أهدافك، وذلك لتتمكّن من:
- قضاء وقت أفضل مع أحبائك دون تشتيت انتباهك.
- الانخراط بعُمق في العمل بدلًا من تعدّد المهام.
- الاستمتاع بتناول طعامك دون عجلة.
فالعيش البطيء هو فنّ العيش بوتيرة تناسبك، وليس بوتيرة تفرضها الضغوط الخارجية، وقد يساعد العيش بتلك الطريقة على تقليل التوتر وزيادة الصفاء الذهني، وربّما استعادة إحساس المُتعة بما كُنت تفعل.
فعندما تأخذ الوقت الكافي لملاحظة التفاصيل، مثل رائحة القهوة أو صوت المطر أو دفء ضوء الشمس، أو أي تفصيلٍ مهما بدا بسيطًا يمرّ بيومك، فإنّك تعِيد ضبط تركيزك، وتزِيح التوتر عن كاهلك، وهو أمر يحتاج إليه الشباب اليوم أكثر من أي وقت مضى، قبل أن يلتهم الاحتراق الوظيفي ما تبقّى من صحتهم النفسيّة.
