الصحة النفسية في العمل: هل هي مهدّدة أكثر من أي وقت مضى؟
بين تحدّيات الحياة والمسؤوليات المالية وأعباء العمل، تتشتّت صحة الرجل النفسية، ولا يكاد يجد فُرصة لاستجماع قواه وطاقته الذهنية لفعل شيءٍ يحبّه. ولكن بالنظر إلى العمل وحده، الذي يُشكّل أغلب أوقات الرجل اليومية، فقد يكون له النصيب الأكبر من التأثير.
فبيئة العمل تترك أثرها الإيجابي أو السلبي في نفسية الرجل، ولكن متى تتدهور الصحة النفسية في العمل؟ ولماذا قد يحدث ذلك؟ وكيف يوازِن الرجل بين عمله وحياته الشخصية؟
بيئة العمل وتأثيرها على الصحة النفسية
قد تحمل بيئة العمل تأثيرًا إيجابيًا أو سلبيًا على صحتك النفسية، يقول الطبيب النفسي "دوجلاس ماكلولين": "العمل يُشرِكك ويمنحك الروتين ويبني احترام الذات، ويساعدك على البقاء على اتصال مع الآخرين، وكلّ هذه الأشياء تقلّل من القلق".
لذلك فإنّ الحصول على وظيفة جيدة، يمكِن أن يحسّن حياتك وكذلك صحتك النفسية، ولكن الضغوط المرتبطة بالعمل قد تحمل تأثيرًا سلبيًا بالقدر نفسه أيضًا.
وفي استطلاع أُجري عام 2021 في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الصحة والرفاهية في مكان العمل، قال 76% من المشاركين إنّ لديهم على الأقل أحد أعراض مشكلات الصحة النفسية، وقال 84% إنّ شيئًا واحدًا على الأقل في مكان العمل يؤثّر سلبًا في صحتهم النفسية.
أسباب تدهور الصحة النفسية في العمل
قد تتراجع الصحة النفسية للرجال بسبب بيئة العمل، التي قد لا تكون مُرضِية بالنسبة لهم، ومن أسباب ذلك:
1. عدم وجود إجازات مرضية مدفوعة الأجر
وجد مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها "CDC" أنّ البالغين العاملين الذين ليس لديهم إجازة مرضية مدفوعة الأجر، هم أكثر عرضةً للتعرّض لضيقٍ نفسي خطير من أولئك الذين لديهم إجازة مرضية مدفوعة الأجر.
ولذلك يكون على الموظّف الاختيار بين الراتب أو رعاية صحته، والعديد من الموظّفين يختارون بالطبع الذهاب إلى العمل وهم مرضى.
ولكن العمل في أثناء المرض قد يؤدي إلى ضعف الأداء وانخفاض الإنتاجية، كما أنّ ذلك قد ينشر الأمراض بمرور الوقت، بما قد يُسبِّب نقص العمالة.
2. العمل في نوبة ليلية
عرف الباحثون منذ فترة طويلة أنّ العمل ليلًا أو نوبات العمل المتناوبة يمكِن أن تؤثّر في الصحة النفسية، كما وجدت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها "CDC" أنّ الضائقة النفسية الخطيرة تكون أكبر بين البالغين الذين يعملون عادةً في فترة المساء.
والسبب ببساطة أنّ نوبات العمل الليلية تؤثّر في نومك، ويقول الدكتور "ماكولين": "إنّ أنماط النوم غير المنتظمة التي يُنشِئها نظام العمل المتناوب يُسبِّب عدم انتظام إيقاعات النوم. وأنّ هذا الخلل يجعل من الصعب الدخول في النوم العميق" وأضاف أنّ: "النوم الذي تحصل عليه لا يُجدّد شبابك".
من ناحيةٍ أخرى فإنّ الحرمان من النوم يجعل التركيز وتنظيم الحالة المزاجية صعبًا، ما قد يزيد خطر الإصابة بالاكتئاب.
3. الأجور غير المتوقعة وانعدام الأمن الوظيفي
مهما كان موقعك الوظيفي، إذا لم تتمكّن من التنبؤ بالشكل الذي سيبدو عليه دخلك أو وضعك الوظيفي بعد أسبوع أو شهر أو عام من الآن، فمن المرجّح أن تتأثّر صحتك النفسية.
وحسب مراجعة عام 2022 في دورية "British Sociological Association" تناولت تأثير ما يُعرف "بالعمالة غير المستقرّة"، فإنّ عدم الاستقرار يمكِن أن يُسبِّب القلق والاكتئاب، كما قد يؤثّر في الصحة النفسية من خلال الحدّ من فوائد العمل، التي تضم:
- الوقت والهيكل المنظّم.
- التواصل الاجتماعي.
- الهدف الاجتماعي (الشعور بأنّ ما تفعله له قيمة).
- المكانة والهوية الذاتية.
4. غياب الحدود بين العمل والحياة الشخصية
غالبًا ما تتميّز بيئات العمل السامّة بعدم وجود حدود، وقد يكون لدى أصحاب العمل توقّعات عالية للغاية من موظّفيهم، فيدفعونهم إلى إعطاء الأولوية للعمل فوق أي شيءٍ آخر.
وقد يؤدي اختلال التوازن بين العمل والحياة الشخصية ليس فقط إلى تدهور الصحة النفسية، بل أيضًا إلى تراجُع الإنتاجية في مكان العمل.
5. التصرّفات غير اللائقة في مكان العمل
إنّ التصرّفات غير اللائقة في مكان العمل، كما وصفتها شركة ماكينزي آند كومباني هي: "تراكُم الأفعال غير المدروسة التي تجعل الموظفين يشعرون بعدم الاحترام والتجاهل المتعمّد، أو التقويض من قِبل الزملاء، أو التقليل من شأنهم علنًا من قِبل مديرٍ غير حسّاس".
ولذلك فإنّ التقليل المتعمّد أو السلوكات غير اللائقة عمومًا في مكان العمل، من أسباب تدهور الصحة النفسية في العمل.
علامات تدهور الصحة النفسية في العمل
قد تستمرّ الصحة النفسية في التدهور، وربّما يعاني الرجل الاحتراق النفسي بسبب العمل، والذي تضمّ أعراضه:
- الشعور بالاستنزاف والإرهاق وعدم القدرة على التعامل مع المشكلات من حولك، سواء المهنية أو الشخصية.
- التشكيك في قيمة عملك أو ما تفعله.
- انخفاض الأداء؛ إذ لم يعُد لديك طاقة للقيام بمسؤوليات العمل أو الإبداع، كما كُنت تفعل.
- الشعور بالإحباط وعدم الرضا.
- أعراض جسدية، مثل كثرة الإصابة بالمرض، أو آلام الجسم، أو الصداع المتكرّر، أو فقدان الشهية، أو اضطرابات النوم.
كيفية تحقيق توازن بين العمل والحياة
التوازن بين الحياة الشخصية والعمل هو مفتاح الحفاظ على الصحة النفسية، خصوصًا إذا لم تكُن هناك قدرة كبيرة على تغيير بيئة العمل، وفيما يلي بعض النصائح التي تساعدك على تحقيق هذا التوازن:
1. التخطيط الجيّد
لا تترك وقتك الشخصي للمصادفة أو لأي حدثٍ يشغله، بل كما تقوم بجدولة اجتماعات العمل والمواعيد النهائية، فكّر أيضًا في التخطيط للأشياء التي تُسعِدك، مثل الغداء مع صديق أو حصة تمارين رياضية أو قضاء وقت في الخارج.
فمثل هذه التغييرات البسيطة، مثل عقد اجتماع افتراضي في أثناء المشي، أو العمل جنبًا إلى جنب مع صديق، يمكِن أن يعزّز المزاج ويخلق إحساسًا أكبر بالتوازن.
2. حافظ على طاقتك الذهنية
قد تحتاج إلى تركيزٍ أكبر لإنجاز مزيدٍ من المهام خلال يوم العمل، وتجنّب العمل ليلًا أو في عطلات نهاية الأسبوع.
وللحفاظ على تركيزك، يمكِنك إيقاف تشغيل الإشعارات، وإغلاق علامات التبويب غير الضرورية على حاسوبك، وإبقاء هاتفك بعيدًا عن ناظرَيك، فهذا سيساعد على تحقيق أقصى استفادة من ساعات عملك، وتحسين التوازن بين العمل والحياة.
3. خصّص فترات زمنية للمهمات المختلفة
تعدّد المهام قد يستنزف طاقتك ويجعل العمل يستغرق وقتًا أطول مما ينبغي، ولكي تكون أكثر إنتاجية، جمّع المهام المتشابهة معًا، وأنجزها في فترة زمنية مُحدّدة.
كما يمكِنك تخصيص فترة زمنية للتحقّق من الرسائل، وتخصيص وقت منفصل للاجتماعات وهكذا، فكلّ هذا يساعد على تقليل إرهاق اتخاذ القرار، وتعزيز الإنتاجية، كما يجعل عملك أكثر تنظيمًا وأقل استنزافًا لصحتك النفسية.
4. أخذ فترات راحة خلال العمل
بالتأكيد قد تحتاج إلى بعض فترات الراحة خلال يوم العمل، ويمكِنك الاستمتاع باستراحة الغداء في الخارج أو بجانب زملائك؛ كما أنّ فترات الرحة عمومًا يمكِن أن تحسّن مستويات التركيز والطاقة لديك، ما يجعلك تُنجِز أعمالك بسُرعةٍ أكبر.
5. تواصل مع مديرك
غالبًا ما يتفاقم ضعف التوازن بين العمل والحياة الشخصية بسبب الخوف من التقصير في أداء ما عليك.
وتؤكّد بيانات مؤشّرات القوى العاملة التابعة لشركة "Slack" هذا؛ إذ يسجّل 37% من العاملين في المكاتب الدخول خارج ساعات العمل القياسية مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، ويقول أكثر من نصف هؤلاء الموظّفين إنّهم يفعلون ذلك لأنّهم يشعرون بالضغط، وليس لأنّهم يريدون ذلك.
لذا فإنّ التواصل المفتوح مع المدير، قد يساعد على كسْر هذه الدورة وخلق مساحة لتوقّعات أفضل بالنسبة لعملك، كما قد يوجّهك المدير إلى ما هو أولوية بالنسبة للعمل، ما يمكّنك من تحقيق التوازن المطلوب بين العمل والحياة الشخصية، وكذلك الحفاظ على صحتك النفسية.
