قبل أن تصف نفسك بالكسول.. ما هو مبدأ «أقل جهد» الذي يحكم قراراتك؟
لو كان أمامك طريقان إلى وجهتك، أحدهما يستغرق بعض الجهد، والآخر لا يستغرق جهدًا، لكان من المنطقيّ أن تختار الطريق الذي لا يستلزم جهدًا، لكن هل يُوصَف هذا بأنّه كسل؟
نميل بطبيعتنا إلى بذل أقل جهد ممكن عند إنجاز أي مهمة، وهي محاولة من عقولنا في تنظيم مواردنا وإدارتها بكفاءة، كما أنّ ذلك يفتح طريقًا للإبداع وإشعال قدرات الذهن، ومع ذلك فقد يتحوّل الكسل إلى تسويف أحيانًا، ولكن قبل أن يصير كذلك لماذا نُفضِّل الحلول السهلة غالبًا؟
ما هو مبدأ أقل جهد؟
مبدأ أقل جهد (The principle of least effort) هو إنفاق أدنى قدر من الجهد لإنجاز مهمة ما، ويُعرَف أيضًا باسم قانون زيبف "Zipf's Law"، الذي اقتُرح عام 1949 من قِبل اللغوي بجامعة هارفارد "جورج كينغسلي زيبف" في كتابه "السلوك البشري ومبدأ أقل جهد".
وكان مجال اهتمام زيبف الأساسي هو الدراسة الإحصائية لتكرار استخدام الكلمات، ولكن طُبِّق مبدؤه أيضًا في مجموعة واسعة من المجالات الأخرى، مثل عِلم النفس وعلم الاجتماع والتسويق.
ما فوائد إنجاز المهام بأقل جهد؟
قد تعتقد أنّ إنجاز المهام بأقل جهد هو نوع من الكسل غير المفيد، ولكن الحقيقة أنّ الإنجاز بأقل جهد له فوائده الضرورية، ليس فقط للصحة النفسية والجسدية، ولكن أيضًا للحفاظ على القدرة على التفكير والإنتاجية وإتمام المهام الصعبة.
وحسب باحثين في "Cleveland Clinic"، فإنّ أخذ فترات راحة يمكِن أن يحسّن المزاج ويعزّز الأداء، ويزيد من القدرة على التركيز والانتباه.
حين يُلهِم الكسل الإبداع
في المتوسط يكون الأشخاص الأقل نشاطًا بدنيًا أذكى من الأشخاص النشطين بدنيًا، حسب دراسة عام 2015 في مجلة عِلم النفس الصحي "Journal of Health Psychology".
حتى أنّ الباحثين طوّروا وصفًا للكسل سمّوه الحاجة إلى الإدراك "need for cognition"، فالأشخاص الذين لديهم تلك السمة، يبحثون عن طرق منظّمة ومعقولة للنظر إلى العالم، وغالبًا ما يمارسون أنشطة تحفّز العقل بشدّة، مثل العصف الذهني أو حلّ الألغاز.
كما توصّلت بيانات الدراسة إلى أنّ الأشخاص ذوي معدل الذكاء المرتفع، يشعرون بالملل أسرع، ما يجعلهم أقل نشاطًا بدنيًا، ويقضون وقتًا أطول في التفكير.
كما كتب "ديفيد أوجيلفي" الذي أسّس إحدى شركات الإعلان المُسهِمة في فيلم "Mad Men" في كتابه "اعترافات رجل إعلان Confessions of an advertising man" أنّه طلب من موظّفيه المبدعين الخروج من المكتب بانتظام لممارسة الرياضة وقضاء الوقت في الطبيعة، وحضور فعاليات ثقافية وفنّية، فقد كان مقتنعًا بأنّ الإبداع يغذّيه وقت التوقف عن العمل، قبل وقت طويل من وجود دراسات تدعم ذلك.
لماذا يختار الدماغ الحلول الأقل استهلاكًا للطاقة؟
أظهرت ورقة بحثية منشورة عام 2026 في دورية "Neuroscience and Behavioral Reviews" بقيادة عالِمة النفْس "ناتالي أندريه" وزملائها في جامعة بواتييه، كيفية اتخاذ قرار بشأن بذل الجهد ولكن من منظورٍ مختلف في مجال علم الأعصاب الحسابي.
فالناس عمومًا يتصرّفون بمبدأ أقل جهد، ما يعني أنّه مع تساوي كلّ العوامل الأخرى، فإنّهم يميلون إلى البحث عن أسهل طريقة للحصول على مكافأة أو تجنّب العقاب.
ومع ذلك فإنّ كل الجهود ليست متساوية، فهناك أوقات تكون تكلفة الجهد فيها مقبولة؛ إن إدّى الجهد إلى نتائج متناسبة معه، والدماغ يساعدنا على اتخاذ القرار، بموازنة التكاليف والفوائد المتوقّعة لتخصيص الموارد اللازمة لتحقيق ذلك، أو الاكتفاء بأقل الجهد للحفاظ على موارد الجسم.
نظرية الاستدلال النشط.. كيف يحميك عقلك من إهدار جهدك؟
تقول نظرية الاستدلال النشط أنّ الكائنات الحيّة تحاول معرفة ما إذا كان الأمر يستحق بذل الجهد لإنفاق طاقتها من ناحية اكتساب المعلومات أم لا.
فإذا كُنت تعتقد أنّ الجهد سيمنحك معرفة قيّمة، فسوف تبذل قصارى جهدك، ولكن إذا لم تحصل على أي شيء منه، فلن تفعل ذلك، فالناس يميلون إلى تجنّب إهدار الجهد عمومًا، وهو ما قد يُوصَف بالكسل أحيانًا.
التكاليف الخفيّة لبذل الجهد
ويُظهِر المنظور الجديد للورقة البحثية أنّ الجهد في حد ذاته ليس مزعجًا، ولكن الجهد الذي لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة هو غير المُرحَّب به، وبناءً على العمل الذي قام به الباحثون، قُسِّمت الجهود إلى ثمانية تكاليف رئيسة على النحو الآتي:
- الأيض: الطاقة الجسدية المُستهلكة.
- التحكّم المعرفي: مقدار التفكير المطلوب.
- الوقت: الوقت المُقدَّر لإكمال المهمة.
- ضغط الوقت: مدى صعوبة المهمة.
- التعب الجسدي والعقلي: ما إذا كانت المهمة ستستنزفك.
- الألم: ما إذا كانت المهمة مؤلمة.
- الإحباط: التكلفة البديلة لمعالجة المهمة.
- المخاطر والتهديدات: القلق الناجم عن المهمة.
فالدماغ يُقدِّر التكلفة باستمرار، ويزوّدك بمعلومات إذا كان يجب عليك الاستسلام أو الاستمرار في المحاولة، وهذا يعني أنّ الكسل ليس سيئًا بطبيعته، بل أحيانًا يكون لمنع إهدار الجهد والحفاظ عليه لما هو أهمّ.
ما الفرق بين الكسل والإرهاق الذهني؟
لكن ثمّة فرق بين الكسل والإرهاق الذهني، فمن يعاني الإرهاق الذهني يرغب في أداء المهمة، ولكنّه يجدها مرهقة على غير العادة، وقد يحاول بدء المهمة مرارًا وتكرارًا دون جدوى، أو قد يجد صعوبة في الحفاظ على تركيزه.
أمّا الكسل، فينطوي على درجة أقل من الصراع الداخلي، فالمرء يختار واعيًا بدائل أسهل تجعله يبذل جهدًا أقل.
كذلك فإنّ هناك عاملاً آخر في المعادلة وهي الاستمرارية عندما تتغيّر الظروف، فعندما يحصل المُرهَق ذهنيًا على بعض الراحة، أو يتحمّل عبء عمل أقل، غالبًا ما يتحسّن أداؤه بدرجة ملحوظة، أمّا لو كان الكسل هو المشكلة، فإنّ الراحة أو تخفيف أعباء العمل لن تؤدي إلى تحسّن في الأداء.
متى يتحول مبدأ أقل جهد إلى عادة ضارة؟
لا تُوجَد كثير من الأبحاث بشأن تحوّل الكسل إلى شيء مُضر بالصحة، ولكن فيما يتعلّق بالتسويف، فقد أشارت دراسة عام 2022 في دورية "Frontiers in Psychology" إلى أنّ التسويف قد يحرم الناس من تبنّي سلوكات جديدة ومفيدة، مثل برنامج تمارين جديد أو نهج أكثر صحة لتناول الطعام.
كذلك فإنّ التسويف المستمرّ قد يُؤدّي إلى القلق وتدنّي الحالة المزاجية وانخفاض الرفاهية الذاتية للمرء.
ما الفرق بين الكسل والتسويف؟
التسويف يعني تأجيل مهمة لصالح مهام أخرى أقل إرهاقًا، ولكنها أيضًا أقل أهمية، أمّا الكسل فأن يكون المرء قادرًا على فعل شيء ما ينبغي فعله، ولكنّه متردّد في فعله أو يمتنع عنه بسبب الجهد الذي يتوقّع أن يبذله، وهو أمر مختلِف عن التسويف الذي يتسم بالسعي لإكمال المهمة ولكن ربّما بمجهود أكبر، حسب منصّة "Psychology today".
كيف تتجنب الوقوع في فخ التسويف؟
من السهل الوقوع في فخّ التسويف حين نتكاسل عن إنجاز مهام نقدر عليها، وصحيح أنّنا قد نتكاسل لأنّنا نقيّم المهمة على أنّها لا تستحق جهدًا كبيرًا، ولكن بمرور الوقت قد تتراكم المهام ويستولي علينا التسويف، وهذه بعض النصائح لتجنّب الوقوع في حبائله، حسب "Everyday health":
- تقسيم المهام وترتيب الأولويات، والحرص على إنجاز المهام بأقل جهد ممكن وليس بجهدٍ كبير.
- التحديد الزمني والمكاني، فمثلًا إذا كنت ترغب في بدء برنامج تمارين جديد، فحدّد نهاية الأسبوع مثلًا والمكان المناسِب.
- اجعل المهمة ممتعة، فمثلًا يمكنك الاستماع إلى البودكاست المفضّل خلال ممارسة الرياضة أو إتمام المهمة.
- تدرّب على أداء مهمة واحدة وخُذ فترات راحة من هاتفك، فهذا سيُجنِّبك التشتّت، ويُبقِيك مركزًا على المهمة لإنجازها في أقل وقت ممكنة.
- ارفق بنفسك، فبدلًا من أن تغضب من نفسك بسبب تراكم المهام، كُن متسامحًا مع ما حدث، فهذا قد يجعلك أقل عرضة للتسويف في المرات القادمة.
ختامًا قد ننظر إلى الكسل على أنّه عادة سيئة، ولكن الحقيقة أنّ أدمغتنا تحاوِل استثمار جهدنا ومواردنا فيما يُحقّق نفعًا حقيقيًا لنا، كما أنّ الكسل مُلهِم للإبداع، ولكنه قد يضرّنا إن أفضى إلى التسويف، وحينها ينبغي إعادة ترتيب الأولويات والسعي لإنجاز المهام بأقل جهدٍ ممكن.
