الإرهاق الذهني الصامت: كيف ترصده وتستعيد طاقتك الذهنية؟
ربّما كُنت في السابق قادرًا على إنجاز مهامك أو اتخاذ القرارات سريعًا، أما اليوم فتشعر كأنّك تتحرّك في كثبان رملية لاتخاذ قرار بسيط ضمن القرارات اليومية.
قد يكون عقلك مُستنزَفًا تحت وطأة الضغوط اليومية، ولست تشعر بذلك على الحقيقة وإنّما تجد أثره في لحظة اتخاذ القرار أو محاولة التركيز، فلماذا قد يتسلّل الإرهاق الذهني إلى عقلك؟ وكيف تستعيد طاقتك الذهنية سريعًا؟
ما هو الإرهاق الذهني الصامت وكيف يختلف عن التعب العادي؟
يحدث الإرهاق الذهني عندما يتعرّض الدماغ لتحفيز مستمرّ، أو يضطر للحفاظ على مستوى مكثّف من النشاط دون راحة، وغالبًا ما قد تلاحظ هذا الإرهاق إذا كُنت:
- تعمل أو تدرس لساعات طويلة مع فترات راحة قليلة أو معدومة.
- تقضي كثيرًا من الوقت كل يوم في التعامل مع المسؤوليات الهائلة.
- تعاني مشكلات بالصحة النفسية.
- تُخصِّص قدرًا كبيرًا من الطاقة الذهنية كل يوم للتفكير في المشكلات أو المخاوف أو مصادر التوتر الأخرى.
والإرهاق الذهني الصامت ليس كالتعب الجسدي المألوف، فالتعب الجسدي يأتي بين الحين والآخر ويمكن رصده بسهولة.
أمّا الإرهاق الذهني المستمر فقد يؤثّر في قدرتك في التفكير أو حلّ المشكلات أو مُعالجة مشاعرك، وفي نهاية المطاف، قد يؤثّر ذلك بدرجة ملحوظة في حياتك اليومية وعلاقاتك بمن حولك.
كذلك فإنّ التعب الجسدي عادةً ما يزول بالراحة أو النوم، ولكن لا يصلح ذلك في بعض الأحيان مع الإرهاق الذهني؛ إذ يمكِنك الاستيقاظ بعد 8 ساعات كاملة من النوم، وما زِلت تشعر بأنّ ذهنك ليس على ما يُرام.
علامات خفية تدل على الإرهاق الذهني رغم الأداء الجيد
لا تتوقّع أن يؤثّر الإرهاق الذهني في قدرتك على التفكير واتخاذ القرارات فحسب، بل إنّ تأثيره يمتدّ للجسد وأيضًا للصحة العاطفية، كما يتضح فيما يأتي وفقًا لموقع "Healthline":
1. العلامات العقلية والعاطفية
قد تشعر بأنّك أقل يقظة عن المُعتاد، وربّما استجماع قواك الذهنية بات أصعب مما كان عليه، حتى عندما يتعلّق الأمر بالمهام اليومية أو الروتينية، كما قد تعاني العلامات الآتية:
- مشاعر الاكتئاب، بما في ذلك المزاج السيئ أو اليأس المستمر.
- استمرار مشاعر القلق.
- صعوبة الاهتمام بأي شيء.
- الشعور بالتشاؤم.
- صعوبة معالجة وإدارة المشاعر.
- انخفاض الدافع النفسي أو الإنتاجية.
- التباطؤ في الحركات أو الاستجابات.
- صعوبة التركيز أو تذكّر المعلومات أو تجميع الأفكار.
2. العلامات الجسدية
أيضًا قد يكون للإرهاق الذهني علامات جسدية، مثل:
- آلام الرأس والجسم.
- اضطراب المعدة.
- مشكلات النوم، بما في ذلك التعب المزمن والنعاس والأرق.
- تغيّرات في الشهية والوزن.
- تكرار الإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا.
- إحساس عام بالإعياء.
3. علامات سلوكية
بعد ذلك، قد يبدأ الإرهاق الذهني في التأثير في أنشطتك وسلوكك اليومي، وربّما تلاحظ:
- أنّك تؤجّل المهام في العمل أو المنزل باستمرار.
- انخفاض أدائك في العمل.
- أنّك تتجنّب الأشخاص الذين تستمتع عادةً بقضاء الوقت معهم.
- مواجهة صعوبة في إدارة المسؤوليات أو الوفاء بالالتزامات الشخصية أو التزامات العمل.
لماذا قد يتسلّل الإرهاق الذهني إليك؟
قد يتسلّل الإرهاق الذهني إليك عندما تنخرط في مهام تتطلّب كثيرًا من الجهد الذهني والعاطفي، خصوصًا عندما لا تُخصِّص وقتًا للعناية الذاتية خلال يومك.
وتختلف أسباب الإرهاق الذهني من شخصٍ لآخر، ولكن من بين الأسباب الشائعة:
1. التوتر
يُعدّ التوتر المزمن من الأسباب الرئيسة للإرهاق الذهني، فعندما يشعر دماغك بتهديد ما -حقيقي أو متوهّم- فإنّه يفرِز هرمونات التوتر، التي يمكِن أن تؤدي إلى صعوبة التركيز وانخفاض القدرة على حلّ المشكلات.
2. ضغط العمل
إذا كانت وظيفتك تتطلّب منك التوفيق بين مسؤوليات مُتعدّدة ومواعيد نهائية ضيّقة، فمن المنطقي أن تشعر بالإرهاق الذهني في مرحلةٍ ما.
ويمكِن لأعباء العمل الثقيلة والتوقعات العالية أن تُبقِيك في حالة تأهّب مستمر، ما يجعل الإرهاق الذهني أقرب للحدوث.
3. مشكلات عائلية
المنزل هو الملاذ الآمن بعد عناء يوم طويل في العمل، ولكن ماذا إذا تحوّل إلى ساحة معركة؟ قد تستنزفك المشكلات العائلية أو مسؤوليات الرعاية ذهنيًا، كما أنّ السعي لتحقيق التوازن بين التوقعات العائلية والاحتياجات الشخصية يمكِن أن يُضِيف إرهاقًا إضافيًا إليك.
4. الأحداث العصيبة
تتطلّب الأحداث العصيبة في الحياة جهدًا ذهنيًا كبيرًا، وذلك كما في حالة الزواج أو الطلاق أو الانتقال إلى مدينة جديدة أو وفاة أحد الأحباء.
وفي مثل هذه الأوقات، قد تكون المهام اليومية نفسها لا تُطاق، ما يزيد العبء العقلي، ويعزّز الإرهاق الذهني لديك.
5. عوامل خفية
بالإضافة إلى ما سبق، ثمّة عوامل قد تخفى عليك يمكِن أن تُسهِم في إرهاقك الذهني، مثل سوء التغذية وقلة ممارسة التمارين الرياضية والجفاف.
ورغم أنّ هذه العوامل قد تبدو بعيدة عن التفكير، فإنّ لكل منها دورًا محوريًا في كيفية عمل الدماغ بشكلٍ صحي.
فمثلًا قد يؤدي الجفاف إلى ضعف القدرات المعرفية، في حين أنّ سوء التغذية يمكِن أن يحرم جسمك من العناصر الغذائية الأساسية، بما يؤثّر في الأداء الذهني.
طرق فعالة لاستعادة الطاقة الذهنية بسرعة
بدايةً ينبغي أن ترصد العلامات الدالّة على الإرهاق الذهني الصامت، كي يتسنّى لك التعامل معها سريعًا قبل أن تتفاقم، وفيما يلي بعض النصائح التي تُعِينك على استعادة طاقتك الذهنية في أقرب فُرصة:
1. أخذ راحة
ربّما نسيت وسط انشغالات اليوم أن تُعطِي نفسك قسطًا تستحقه من الراحة، لذا ينبغي تخصيص بعض الوقت للراحة وإعادة شحن طاقتك الذهنية لتخفيف الإرهاق، ومن أمثلة ذلك:
- طلب إجازة طويلة من العمل.
- تخصيص ساعة من الوقت لنفسك كل يوم.
- مغادرة مكتبك في أثناء الغداء وقضاء ساعة كاملة لتناول وجبة لذيذة أو المشي أو ممارسة أي نشاط آخر غير العمل.
- تخصيص أُمسية أو اثنتين كل أسبوع لتناول العشاء في الخارج.
2. تقنيات الاسترخاء
أحيانًا يحتاج الذهن إلى تنفّس بعض نسائم الاسترخاء، ودون إمهاله هذه الفرصة، فقد يظلّ الإرهاق كامنًا به، لذا قد تساعدك تقنيات الاسترخاء على إعادة شحن طاقتك الذهنية، مثل:
- التنفّس العميق.
- التدليك.
- العلاج العطري.
- استرخاء العضلات التدريجي.
3. نَم جيدًا
لا يُعِيد النوم شحن طاقتك الجسدية فقط، بل يمكِن أن يعزّز طاقتك الذهنية أيضًا، لذا حاول أن تنام 7 - 8 ساعات كل ليلة للتغلب على الإرهاق الذهني والجسدي.
ولكن بالتأكيد قد تواجه صعوبة في ذلك في بعض الأحيان، لذا إليك بعض النصائح للتمتّع بنومٍ عميق يعِيد شحن طاقتك:
- أخذ حمام ساخن قبل ساعة أو نحو ذلك من موعد النوم.
- ممارسة تمارين التمدّد اللطيف قبل النوم.
- قراءة كتاب بدلًا من مطالعة الهاتف.
- إيقاف الإضاءة غير الضرورية عند الاستعداد للنوم.
4. اكتب ما تشعر بالامتنان لأجله
عندما تكون مرهقًا ذهنيًا، قد تبدو الأفكار السلبية أشدّ مما كانت عليه.
ولتحدّي الأفكار والمشاعر غير المرغوب فيها وإعادة التركيز على الأشياء التي تستمتع بها في الحياة، حاول الاحتفاظ بمذكّرات تدوّن فيها بعض الأشياء التي تشعر بالامتنان لها كل يوم.
فقد وجدت مجموعة من ثلاث دراسات نُشِرت عام 2017 في مجلة الجمعية الطبية التايلاندية أدلّة تشير إلى أنّ الأشخاص الذين يمارسون الامتنان يميلون إلى التمتّع بما يأتي:
- رفاهية عامة أفضل.
- انخفاض التوتر.
- سعادة أكبر.
- تحسّن النوم.
- صحة بدنية أفضل.
5. ممارسة الرياضة
بالتأكيد ليس سهلًا أن تحشد طاقتك لممارسة الرياضة بينما أنت مُرهَق ذهنيًا، ولكن ينبغي أن تعلم أنّ النشاط البدني المنتظم يحمل تأثيرًا إيجابيًا في المزاج ووظائف الدماغ، وكذلك الصحة البدنية.
وليس من الضروري أن تنخرط في تمارين شاقّة عليك، بل يمكن الاكتفاء بالتمارين الرياضية المعتدلة، مثل المشي السريع لمدة نصف ساعة.
وحسب دراسة عام 2014 في دورية "Frontiers in Pyshiology" أُجريت على 111 شخصًا بالغًا يتمتّعون بصحةٍ جيدة، وجد مؤلّفو الدراسة أنّ أولئك الذين مارسوا الرياضة بانتظام، بدا أنّهم يتمتّعون بمرونة عاطفية أكبر في مواجهة التوتر الحاد.
لذا فإنّ الرياضة قد تساعد على التعامل مع الإرهاق الذهني والأعراض الأخرى المرتبطة بالتوتر بشكلٍ أفضل.
6. لا تنس احتياجاتك الأساسية
ربّما تفعل ما سبق ولكن لا يزال الإرهاق مُستنزِفًا لذهنك، فبالتأكيد لن تكفي النصائح السابقة إذا كانت هناك أمور أساسية غفلت عنها للحفاظ على طاقتك الذهنية، مثل:
- التغذية: احرص على تناول نظام غذائي متوازن وشُرب الماء طوال اليوم.
- النشاط البدني: حتى لو كُنت لا تشعر برغبة في ممارسة التمارين الرياضية، فحاول أن تخصّص بعض الوقت للمشي قليلًا في الخارج.
- ضوء الشمس والهواء النقي: إنّ قضاء بعض الوقت في الهواء بالخارج كل يوم، قد يساعد على إنعاش طاقتك وروحك، خصوصًا إذا لم تكُن قادرًا على ممارسة الرياضة.
- الدعم الاجتماعي: لا بأس بالحصول على دعم عاطفي تحتاج إليه من الأصدقاء والعائلة القادرين على توفير هذا الدعم لك.
7. اعمل بذكاء
إذا كانت وظيفتك تستهلك طاقتك الذهنية ووقتك باستمرار أكثر من اللازم، فقد لا تكون خيارًا ملائمًا على الأمد الطويل.
وبالطبع قد يكون من الصعب البحث عن وظيفة أخرى، كما أنّ العودة إلى المنزل وقضاء بعض الوقت المتبقي من وقت الفراغ المحدود لديك للبحث عن عمل، أكثر إرهاقًا.
لذا حاول أن تصل إلى التوازن المطلوب في عملك، بما يحافظ على طاقتك الذهنية، وذلك من خلال:
- وضع حدود أكثر صرامة بشأن ساعات العمل حتى تتمكّن من الراحة والاسترخاء كل يوم.
- اسأل مديرك عن التغييرات التي يمكِن إجراؤها في مكان العمل لتخفيف بعض العبء إن أمكن.
- خصّص بضع ساعات كل أسبوع للبحث عن وظيفة جديدة.
- خصّص 20 دقيقة كل يوم لتحسين شبكة علاقاتك واستكشاف فرص العمل.
الإرهاق الذهني الصامت ليس من الأمور التي ينبغي الاستهانة بها، لأنّه قد يؤثّر في قدرتك على اتخاذ القرارات وأدائك اليومي، ولذا من الضروري أخذ راحة بين الحين والآخر مع الحرص على النوم جيدًا والانتباه إلى الاحتياجات الصحية الأساسية من تغذية ونشاط بدني والدعم الاجتماعي وما إلى ذلك.
