الإرهاق الرقمي.. كيف تتخلص منه وتزيد إنتاجيتك؟
قد تنسى أي شيء قبل تخطي عتبك منزلك، إلا هاتفك المحمول، سيبقى ملاصقًا لك أينما ذهبت ومهما حصل. تُجسد هذه العبارة، التي لن نُبالغ إذا قلنا إنها حقيقية لدى غالبية البشر، حالة "الإرهاق الرقمي" بوضوح، كما تؤكد تعلقنا بالشاشات وإدماننا عليها.
لقد أصبحنا ننظر في الشاشات أكثر من أي شيء آخر. كل جانب في الحياة اليوم بات مرتبطًا بالهاتف أو الحاسوب أو التلفاز. عقولنا أصبحت تتعامل مع أي شاشة تلقائيًا، لدرجة أننا لم نعد نستطيع ترك الهاتف حتى وهو يؤذينا. كم مرة أصابك الصداع، أو شعرت بألم في عينك، أو مللت من الهاتف أو اللابتوب، ومع ذلك لم تتركهما؟
يُدرك كثيرون أن استخدام التقنية لم يعد رفاهية، إلا أن ذلك لا يُعد مبررًا. لذلك، يُنصح بتجربة النصائح التي سيستعرضها هذا التقرير في نهايته، ومع اعتيادها سيلاحظ القارئ كيف يمكن أن تتغيّر حياته نحو الأفضل.
ما هو الإرهاق الرقمي؟
وفقًا لشركة الأبحاث والتسويق "GWI"، يقضي الإنسان نحو 6 ساعات و40 دقيقة يوميًا على الإنترنت. وبالرغم من أن هذه المدة قد تشمل العمل، أو الدراسة، أو التواصل المفيد مع الآخرين، فإننا نعرف أن الواقع أكثر سوءًا، وبغض النظر عن الهدف من استخدامك للأجهزة الذكية، فإن هذه المدة قد توصلك للإرهاق الرقمي بسهولة.
يُعرف الإرهاق الرقمي Digital Fatigue بأنه الحالة التي تُستَنزفُ فيها حسيًا ومعرفيًا، وهي ناتجة عن التعرض المتكرر والمكثف للمحفزات الرقمية -سواء كانت شاشات أو أصوات (إشعارات الهاتف مثلًا)- وفيها يهبط تركيزك وطاقتك ومزاجك، وأحيانًا يصل الأمر إلى ما هو أصعب من ذلك.
كيف يحدث الإرهاق الرقمي؟
هناك أسباب وأشكال كثيرة للإرهاق الرقمي لدرجة يصعب تصديقها، لكن هل تعلم أن:
1. اجتماعات الفيديو يمكن أن تُرهقك بشكل كبير؟ نعم، نحن نتحدث عن اجتماعات العمل التي وُضع لها مصطلح خاص يُسمى "Zoom Fatigue"، أو الإرهاق نتيجة استخدام تطبيق "زووم".
في دراسة أجرتها Stanford وجدت أن 5.5% من الرجال و13.8% من النساء أفادوا بأنهم يشعرون "بتعبٍ شديد للغاية" بعد مكالمات الفيديو.
استفتاءٌ آخر وجد فيه 49% من المشاركين أن "وجود الكاميرا أثناء الاجتماعات يجعلهم مُنهكين"، وهذه النسبة ترتفع إلى 64% لدى الأعمار بين 18-24 عامًا.
بالطبع اجتماعات الفيديو ليست العامل الأساسي للإرهاق الرقمي، لكنها مؤشر إلى أن هناك أسبابًا غير متوقعة إطلاقًا.
2. الضوء الأزرق
من أكثر الأسباب شيوعًا، إذ يكبح ضوء الشاشات الأزرق هرمون الميلاتونين الذي ينظم إيقاع النوم والاستيقاظ، ولهذا تجد مستخدمي الهاتف قبل النوم يعانون الأرق، وقد يخرج يومهم عن المسار الطبيعي بسبب هذه العادة.
3. إجهاد العين ومتلازمة الرؤية الحاسوبية CVS
يُستخدم هذان المصطلحان لوصف مجموعة من الأعراض البصرية والجسدية التي تظهر نتيجة الاستخدام المطول للشاشة، سواء كانت شاشة حاسوب -كما يشير المصطلح- أو شاشة هاتف أو خلافهما.
وفقًا لدراسة حديثة منشورة في دورية BMC Ophthalmology، هناك حوالي 60 مليون شخص يعانون متلازمة الرؤية الحاسوبية، مع قرابة مليون حالة جديدة كل سنة.
عندما تتعرض العين لإجهادٍ مستمر بسبب التحديث الطويل في الشاشات، يُضطر الدماغ إلى بذل جهد أكبر لتعويض هذا الضعف، وهو ما يتحول مع الوقت لاستنزاف عصبي ثم إرهاق رقمي. فكلما زاد استخدامك للشاشات، زادت فرص إصابتك بالإجهاد الرقمي. فدعونا الآن ننتقل لأهم محورين، وهما أخطار الإجهاد الرقمي، وطُرق التعامل معه.
السلبيات المرتبطة بالإجهاد الرقمي
هناك العديد من السلبيات المرتبطة بالإجهاد الرقمي، منها ما هو بسيط ويمكن علاجه بسهولة، ومنها ما قد يتحول لأمراض مزمنة! مثل:
1. مشاكل في صحة العين (إجهاد العين الرقمي): فقد تُصاب بالجفاف، أو الحكة، والتشوش في الرؤية، وقد يصل الأمر إلى قصر النظر myopia خصوصًا عند الأطفال.
2. تأثيرات على الصحة النفسية والتركيز: فالتعلق بالشاشات يحد القدرة على التركيز والانتباه، وبدوره يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر بسبب كثرة الإشعارات، ومن سلبيات ذلك الشعور بالإرهاق العام وعدم القدرة على الاسترخاء بعد التفاعل الطويل مع الأجهزة.
3. مشاكل جسدية: مثل آلام الرقبة والكتفين وأسفل الظهر، بسبب وضعيات الجلوس غير الصحيحة التي لا نلاحظها إلا بعد جلسة انغماس مع الهاتف أو عندما يشتد علينا الألم.
4. التعفن الدماغي: من أكثر المصطلحات التي انتشرت أخيرًا في هذا السياق رغم أنه ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا. والتعفن الدماغي هو وصف يدل على حالة من التدهور الذهني والفكري نتيجة الاستخدام المفرط للمحتوى الرقمي غير المفيد، الذي غالبًا ما نتعرض له بكثرة أثناء استخدامنا العشوائي -بل غير العشوائي- لأجهزتنا الذكية.
اقرأ أيضًا: "تعفن الدماغ" كلمة العام في "قاموس أكسفورد".. ماذا تعني؟ وكيف نتجنبها؟
كيف تتجنب الإرهاق الرقمي وتزيد إنتاجيتك؟
يُعد هذا الجزء الأهم في التقرير، والذي إذا التزم القارئ بتطبيقه، ستزداد إنتاجيته بشكل قد يفوق توقعاته.
1. الإدراك والوعي
قبل أي شيء، عليك أن تكون مُدركًا وواعيًا لأفعالك. حاول أن تنتبه وتستدعي ذهنك قبل أن تُمسك بأي جهاز إلكتروني يسرق وقتك. اسأل نفسك: ما الهدف مما سأفعله الآن؟
على قدر سهولة هذه الخطوة نظريًا، فإنها في غاية الصعوبة عمليًا، والحفاظ عليها وحدها قد يكون كافيًا لحل المشكلة.
2. تنظيم فترات العمل والراحة
إلى جانب النصيحة الأولى، استخدم تقنية بومودورو (25 دقيقة عمل و5 دقائق راحة)، واتبع قاعدة 20-20-20 (كل 20 دقيقة، انظر إلى نقطة أبعد 20 قدمًا -6 أمتار تقريبًا- لمدة 20 ثانية) لتخفيف إرهاق العينين.
القصد من هذه الأساليب أن تُنظم فترات العمل والراحة، فافعل ذلك بالطريقة التي تحلو لك.
3. أسكت الإشعارات غير المهمة
لا سيما أثناء العمل، فأدمغتنا أصبحت عُرضة للتشتت بسهولة، وخطوة كهذه يمكن أن تساعدك على البقاء في حالة التركيز أو ما يعرف باسم "Flow" (الانخراط في العمل) لأطول فترة ممكنة دون ملل.
4. اختر البيئة المناسبة وحسن وضعية الجلوس
دائمًا اجلس في وضعية صحية، بحيث يكون جذعك مستقيمًا دون انحناء أو شد مستمر. حاول أيضًا أن تُبعد الشاشة ذراعًا واحدًا عنك على الأقل، وأن تجعلها في مستوى أعلى قليلًا من مستوى إبصارك. كذلك عليك أن تضبط الإضاءة حولك لتكون طبيعية قدر المستطاع وغير حادة لئلا تُرهق عينيك.
5. ضع حدًا واضحًا للمشتتات
خصص فترات في يومك لا تستخدم فيها الهاتف أو الحاسوب. قدّر الوقت الذي تقضيه مع نفسك ولا تُمسك هاتفك تحديدًا قبل النوم بساعتين أو ساعة على الأقل.
إذا كان عملك كله قائمًا على الأجهزة، فالتحدي أمامك قد يكون أصعب، لكن حاول أن تُركز على هواياتك خارج إطار الشاشات. ويمكنك أن تستخدم تطبيقات تقليل وقت الهاتف إذا استعصت المقاومة.
